مجلة المحاماة - العدد الثالث
السنة الرابعة والثلاثون
سنة 1954

بحث
في تطبيق المادة (167) من قانون العقوبات
على حوادث الترام
لحضرة الأستاذ أحمد رفعت خفاجي وكيل نيابة أمن الدولة


نصت
المادة (167) من قانون العقوبات المصري الواردة في الباب الثالث عشر بشأن
تعطيل المواصلات من الكتاب الثاني الخاص بالجنايات والجنح المضرة بالمصلحة
العمومية على عقاب كل من عرض للخطر عمدًا سلامة وسائل النقل العامة البرية
أو المائية أو الجوية أو عطل سيرها.
وسنبحث في هذا الصدد مدى انطباق هذه المادة على تعطيل عربات الترام أو تعريض سلامتها للخطر.
ولعل الذي يسعفنا في هذا الشأن هو معرفة حكم قانون العقوبات الفرنسي - فلم
يرد في مجموعة قانون العقوبات شيء في تعطيل وسائل المواصلات وإنما صدرت
تشريعات جنائية خاصة بكل نوع من أنواع المواصلات فجاء قانون السكة الحديد
في 15 يوليه سنة 1845 متضمنًا في بابه الثالث المتعلق بالإجراءات الخاصة
بأمن تسيير قطارات السكة الحديد المادة (16) منه والتي تعاقب على تعطيل
سير قطارات السكة الحديد عمدًا - كما نصت المادة (19) على عقاب كل من تسبب
بإهماله وعدم احتياطه ورعونته وعدم مراعاته للقوانين واللوائح في وقوع
حادث لقطار نشأ عنه موت أو إصابة شخص كما صدرت تشريعات جنائية خاصة
للمواصلات البرية بالسيارات والعربات والمواصلات الجوية بالطائرات
والمواصلات البحرية والنهرية بالمراكب.
ولقد أثير في فرنسا خلاف بشأن مدى انطباق القانون الصادر في 15 يوليه سنة
1845 على حوادث الترام قياسًا على حوادث السكة الحديد إلى أن حسم المشرع
هذا النزاع فصدر قانون بتاريخ 11 يونيه سنة 1880 نص في المادة (37) منه
على تطبيق القانون الصادر في 15 يوليه سنة 1845 على حوادث الترام ولقد
حكمت محكمة النقض والإبرام الفرنسية بتاريخ 9 أغسطس سنة 1917 (دالوز سنة
1919 الجزء الأول صـ 38) تطبيقًا لهذا القانون في حادثة ترام اُتهم فيها
مدير إحدى شركات الترام بتسببه - بإهماله وعدم مراعاته للوائح الخاصة
بالمحافظة على قضبان الترام - في قتل وإصابة أشخاص فعاقبته بالمادة (19)
من قانون سنة 1845.
كما أثير خلاف آخر في فرنسا بشأن تطبيق المادة (434) من قانون العقوبات الفرنسي الخاص بوضع النار عمدًا في عربات السكة الحديد
Wagons
على عربات الترام وكان يرى جارسون (م 434 ن 55) وجارو (6 صـ 283 هامش 17)
بأن هذه المادة تتسع لحوادث حريق عربات الترام معللين هذا النظر بأن كلا
النوعين من العربات يسير على قضبان حديدية فضلاً عن أن المادة (37) من
القانون سنة 1880 أعلنت تطبيق قانون السكة الحديد الصادر في سنة 1845 على
حوادث الترام - ولقد تأيد ذلك بما حكمت به محكمة النقض والإبرام الفرنسية
في 22 ديسمبر سنة 1898.
أما في مصر - فلقد جاءت المادة (167) عقوبات بدلاً من المادة (145) من
قانون العقوبات الملغى الصادر في سنة 1904 والتي كانت تعاقب كل من عطل
عمدًا سير قطارات السكة الحديد وحدها دون غيرها من وسائل النقل العامة
والتزم الشارع في ذلك نص القانون الفرنسي الصادر سنة 1845 والقاصر على
تنظيم النقل بطريق السكة الحديد وفي ظل تطبيق قانون العقوبات الصادر في
1904 ثار خلاف بشأن حوادث الترام وقد حكمت محكمة الجيزة الجزئية بتاريخ 21
مايو سنة 1905 (المجموعة 7 صـ 53) بأن حوادث الترام تطبق عليها المادة
(145) المذكورة - إلا أن بعض رجال الفقه رأوا عدم صحة هذا القياس إذ لا
يسوغ التوسع في تفسير قانون العقوبات كما لا يصح الأخذ بما ورد في قانون
العقوبات الفرنسي سالف الذكر لعدم وجود تشريع مماثل في مصر على غرار
القانون الصادر في سنة 1880.
كما حدث جدل فقهي في مصر بشأن تطبيق المادة (252) من قانون العقوبات
المصري الخاص بوضع النار عمدًا في عربات السكة الحديد والمقابلة للمادة
(434) من قانون العقوبات الفرنسي وهل تطبق على حريق عربات الترام.
قال الأستاذ جندي عبد الملك بالإيجاب جريًا على ما استقر عليه الرأي في
فرنسا، أما الأستاذ أحمد أمين فيرى أنه إذا أمكن التوسع في التفسير
والخروج عن المألوف جاز إدخال عربات الترام في نص المادة وقياسها على حالة
قطارات السكة الحديد - كما أكد أن الأخذ بالرأي الفرنسي في مصر يخالف
المنطق إذ النص الفرنسي يختلف عن النص المصري في أنه لم يذكر عربات السكك
الحديدية بوجه التخصيص وإنما أتى بكلمة
Wagons أي عربات ولم يحددها بعربات السكة الحديد

Wagons de chémin de fer.
هذا
هو حكم قانون العقوبات المصري بشأن قطارات السكة الحديد وعربات الترام قبل
صدور قانون العقوبات الجديد سنة 1927 فإذا جاء النص في هذا القانون الأخير
(المادة 167) عامًا شاملاً غير مقيد أو مخصص بنوع معين من وسائل النقل إذ
ينص على عقاب كل من عطل أو عرض للخطر عمدًا سلامة وسائل النقل العامة
البرية أو المائية أو الجوية فقد أغنانا عن هذا الجدل - الأمر الذي يستفاد
منه بجلاء أن المادة (167) تنطبق على تعطيل عربات الترام أو تعريض سلامتها
للخطر.