الشروع فـى النصب
 
الشروع فى النصب هو إعداد وسائل الاحتيال فعلا تحضيريا للجريمة ، أما البدء فى استعمالها فهو الشروع فيها ، ولذا فقد اعتبرت محاكمنا شروعا فى نصب ما عمد إليه محتال حاول إقناع المجنى عليه بأن فى مقدوره تقليد أوراق البنكنوت تقليدا محكما ، وأحضر أمامه أدوات التقليد ، وأجرى بها بعض تجارب ، وكان يبغى الحصول منه على أوراق بنكنوت صحيحة بحجة تقليدها ، ولكن من سوء حظه كان المجنى عليه من رجال البوليس السرى وقد تنكر لضبطه ، واعتبرت الواقعة علاوة على ذلك تقليدا لأوراق البنكنوت المالية  ( 1 ) .
كما اعتبر شروعا فى نصب أيضا ما عمد إليه الجانى وشريكان له من أعداد شيك مزور بمبلغ عشرة آلاف دولار مسحوبا على بنك أمريكا فرع سويسرا ، واشتركوا فى عرضه للبيع على الشاهد الذى تظاهر بقبول هذا العرض ، وسارع إلى إبلاغ رجال مكتب مكافحة تهريب النقد بوزارة الداخلية الذين طلبوا منه مسايرة المتهمين وتقديم أحد المرشدين السريين لهم على أنه هو المشترى للشيك ، وأعدوا كمينا بأحد الفنادق لضبطهم  .
وقد قررت محكمة النقض صراحة فى هذه الدعوى أن الأصل هو أن مباشرة وسيلة الاحتيال بالفعل تعد شروعا معاقبا عليه حتى ولو فطن المجنى عليه إلى احتيال الجانى فكشفه وامتنع عن تسليم المال أو حتى إذا سلمه بالفعل ولكن بسبب آخر فى نفسه ( 2 ) .
واعتبرت المحاكم هناك شروعا فى نصب الأفعال الآتية :
أن يتظاهر مدين بثمن كتب بإرسال خطاب مسجل إلى الدائن ويضع فيه النقود أمام سيدة وزوجها ، ثم يستبدل به خفية خطابا آخر خلوا من النقود ويسلمه إلى ساعى البريد لإرساله مسجلا إلى الدائن ، ثم يرسل إلى هذا الأخير خطابا آخر يشير فيه إلى حصول التخالص ، فإن كل ذلك يعد شروعا فى احتيال بقصد الحصول على مخالصة عن الدين ، لأن الدائن إذا رفض الإقرار بحصولها سيجد أمامه شهودا على الإرسال ومتاعب فى التقاضى وتعريضا بسمعته كتاجر مما قد يدعوه إلى أن يقنع من الغنيمة بالإياب .
أن يطالب الجانى الحكومة بمبالغ أكثر مما هو مستحق عليها استنادا إلى مستندات مزورة .
أن يحصل وكيل شركة تأمين على توقيع المؤمن على بوليصة التأمين بطرق احتيالية ثم يكتشف الأخير حقيقتها فيرفض قبول البوليصة ودفع الأقساط .
أن يضبط لاعب الورق وهو يستعمل ورق لعب مغشوش .
أن يسلم أحد المسافرين شنطة فى المحطة لشحنها إلى جهة ما  ويتسلمها فى محطة الوصول دون أن يسلم الإيصال الذى بيده سهوا من المختصين  فيحاول استغلاله فى طلب تعويض من شركة السكك الحديدية بحجة أنه لم يتسلم الشنطة ويحرر عدة طلبات بهذا المعنى ، ثم تنكشف الواقعة على حقيقتها ، ويلاحظ أن ركن الشروع فى الاحتيال هنا ليس فى مجرد التقدم بالمطالبة الزائفة بالتعويض بل فى احتفاظ الجانى بالإيصال ثم فى الاستعانة به فى تأييد هذه المطالبة .
أن يشحن الجانى بضاعة تالفة ، ثم يطالب شركة النقل بتعويض على زعم أنها مسئولة عن التلف ، وأنه نتيجة إهمال منها فى عملية النقل ( 3 ) .
النصب والجريمة المستحيلة
تسرى على النصب القواعد العامة فى الجريمة المستحيلة من حيث إمكان إعطائها حكم الجريمة الخائبة أحيانا ، وإدخالها بالتالى فى نطاق الشروع المعاقب عليه ، وذلك عندما تكون الاستحالة نسبية لا مطلقة وفقـا للقضاء الذى يبدو أنه لا يزال متغلبا فى بلادنا ( 4 ) .
وتكون الاستحالة نسبية مثلا إذا كان المال المطلوب مثليا وموجودا مع المدين ، ولكن بمقدار أقل من القدر المطلوب ، كمن يعرض بطرق احتيالية بيع سند على شركة وهمية مرتفع القيمة ويكون العرض على مجنى عليه مفلس ، إذ من المحتمل إمكان حصول هذا الأخير على المبلغ المطلوب منه بطريق القرض أو البيع ، وكذلك إذا كانت وسائل الاحتيال ضعيفة الإخراج بحيث اكتشف المجنى عليه حقيقتها ، وقد أشرنا إلى ذلك عند الكلام فى مدى إتقان الطرق الاحتيالية
وتكون الاستحالة مطلقة إذا كان المنقول الذى يسعى الجانى إلى الاستيلاء عليه قيميا معينا بالذات ، وكان غير موجود لدى المجنى عليه كلية لهلاكه أو لسبق التصرف فيه ، كمن يحتال للاستيلاء على مستند هام سبق أن أعدمه حائزه ، أو إذا انعدمت فيه صفة رئيسية مثل كونه مملوكا للغير ، ومن ذلك أن يحتال شخص لاسترجاع سلعة مملوكة له سبق أن رهنها للمجنى عليه ، أو إذا كانت طريقة الاحتيال من وضوح الكذب والبهتان بحيث لا تخدع أحدا .
ويجب حصر الطرق المستحيلة فى أضيق نطاق ممكن ، إذ ينبغى كقاعدة عامة ألا يعد مستحيلا فى هذا الشأن إلا طريقة الاحتيال التى لا يمكن أن تؤدى إلى تسليم المال ، والتى لو تم تسليم المال بعدها لتعذر القول بأنه كان نتيجة لها فتنتفى الجريمة التامة حينئذ لانتفاء رابطة السببية ، كما ينتفى الشروع لاستحالة الوسيلة استحالة مطلقة
__________________________
( 1 )  نقض 13/11/1913 مج س 15 صـ24
( 2 )  نقض 13/1/1969 أحكام النقض س 20 رقم 14 صـ69
( 3 ) د / رؤوف عبيد - المرجع السابق
( 4 ) د / عبد الفتاح مصطفى - نظرية الاستحالة ، د / نادية أبو شهبه - الطرق الاحتيالية