العقود المستثناة من صحة التعاقد بطريقة الإنترنت :
استثنى قرار مجمع الفقه الإسلامي من صحة التعاقد بطريقة الإنترنت (النكاح لاشتراط الإشهاد عليه, والصرف لاشتراط التقابض, والسلم لاشتراط تعجيل رأس المال)(1). وسنناقش هذه العقود الثلاثة :
أولاً: عقد النكاح:
من شروط النكاح الإشهاد(2), بأن يَشهد على عقد النكاح شاهدان رجلان عدلان, أو رجل وامرأتان, لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا نكاح إلا بولي وشاهدين عدلين"(3) ولأن في الشهادة حفاظاً على حقوق الزوجين والولد منهما, وفيها درء التهمة عن الزوجين وبيان أهمية النكاح وعظيم مكانته(4).
وحينما نتأمل شرط الإشهاد نجد أنه في ظل الطرق الحالية للتعاقد بطريق الإنترنت من الممكن حضور وتحكيم للشهادة وخاصة إذا كان التعاقد عبر المحادثة والمشاهدة (5) فبناء على إمكان تحقق هذا الشرط هل يصح إجراء عقد النكاح بطريق الإنترنت؟
القول بصحة ذلك له حقه من النظر خاصة على مذهب الحنفية الذين يجيزون انعقاد النكاح بالكتابة , إذا كان الزوجان غائبين عن بعض وحضر شاهدان عند وصول الكتاب(6).
ولكن الذي يظهر للباحث هو عدم صحة عقد النكاح بطريق الإنترنت وذلك لما يلي:
1-أن للنكاح مكانته الخاصة حيث يترتب عليه آثار مهمة تتعلق بالزوجين وولدهما طول الحياة, وعلى ذلك فإنه لا يمكن مساواة عقد النكاح بالعقود المالية التي تكون آثارها مقصورة في الغالب على جانب معين وبشكل محدود.
2-أن الشكل في إنشاء عقد النكاح معتبر وهذا ظاهر لمن تأمل أحكامه ومقاصده، وهو بخلاف العقود المالية التي مبناها على التراضي دون النظر إلى شكل العقد.
ــــــــــــــــــ
(1)أنظر القرار السابق عرضه ص9.
(2)انظر: بدائع الصنائع 2/252 والشرح الكبير على مختصر خليل 2/236 , ومغني المحتاج 3/144 , والمغني 6/347 .
(3)رواه الدارقطني في كتاب النكاح 3/221 ,والبيهقي في كتاب النكاح 7/125.
(4)انظر: الفقه الإسلامي وأدلته. د. وهبة الزحيلي 7/71 .
(5)يختلف الفقهاء في صحة عقد النكاح بغير اللفظ أي بالكتابة والإشارة, فذهب الجمهور إلى عدم صحة النكاح بالكتابة سواء كان المتعاقدان حاضرين أو غائبين, وذهب الحنفية إلى صحة عقد النكاح بأن يكتب الرجل للمرأة : تزوجتك, أو زوجيني نفسك فقالت المرأة في مجلس وجود الكتاب : قبلت الزواج بحضور شاهدين فالعقد صحيح والزواج منعقد .
أنظر بدائع الصنائع 2/252 , والشرح الكبير على مختصر خليل 2/236 , ومغني المحتاج 3/144 , والمغني 6/347.
(6) أنظر: بدائع الصنائع 2/231, أما بقية المذاهب فلا يرون صحة الزواج بالكتابة , أنظر مواهب الجليل للحطاب 4/228 , ومغني المحتاج 3/141 ومنتهى الإرادات 4/59.
3-      ما يترتب على القول بصحة عقد النكاح بطريق الإنترنت من الأضرار والمفاسد التي تخالف مقتضى عقد النكاح ومقاصده التي شُرع من أجلها.
فلهذه الأسباب ولغيرها أرى أن عقد النكاح لا يصح - حالياً - بطريق الإنترنت(1) والله أعلم .
 
ثانياً: عقد الصرف :
عقد الصرف هو بيع النقد بالنقد سواء بجنسه أو غير جنسه(2) , ومن شروط صحته التقابض قبل الافتراق بين المتعاقدين لقوله صلى الله عليه وسلم "الذهب بالذهب , وزناً بوزن مِثلاً بمِثل والفضة بالفضة وزناً بوزن مِثلاً بمثل , فمن زاد أو استزاد فهو ربا"(3).
وعدم تحقق هذا الشرط يوقع في ربا النسيئة وهو التأخير(4) .
والتصارف بطريق الإنترنت يختلف حكمه بحسب الطريقة التي تم بها العقد:
فإذا تم التعاقد على الصرف مباشرة سواء عبر شبكة المواقع (Web) أو البريد الإلكتروني المباشر أو المحادثة وتم تنفيذ العقد بتحويل المبلغ محل العقد من حساب كل من الطرفين إلى الآخر عن طريق الشيك المصرفي أو النقود الإلكترونية (البينز) أو الحوالة البنكية المباشرة أو غير ذلك من الوسائل والطرق التي تجعل التقابض متحققاً في الحال بين الطرفين فإن العقد صحيح.
وذلك لأن التقابض ليس مقصوراً على التقابض الحقيقي بين الطرفين مباشرة وإنما يكون أيضاً بالقبض الحكمي كالقيد المصرفي في حساب العميل بطريقة الحوالة المصرفية أو الإنترنت المصرفي.
 
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)وهذا القول هو ما رأته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية في المملكة العربية السعودية بشأن عقد النكاح عن طريق الهاتف, أنظر الفتوى في فتاوى إسلامية 2/336.
(2)انظر: المغني 6/52 .
(3)أخرجه مسلم في صحيحه, عن أبي هريرة رضي الله عنه في كتاب المساقاة, باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً برقم2973 , وقريباً منه حديث أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا سواءً بسواء , والفضة بالفضة إلا سواءً بسواء , وبيعوا الذهب بالفضة والفضة بالذهب كيف شئتم " رواه البخاري في كتاب البيوع , باب بيع الذهب بالذهب برقم 2029.
(4)انظر: المغني 6/53 وما بعدها .
 
وهذا ما صدر به قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم (55/4/6) بشأن القبض وصوره المستجدة حيث نص على أن من صور القبض الحكمي المعتبرة شرعاً وعرفاً ما يلي :
1- القيد المصرفي لمبلغ من المال في حساب العميل في الحالات التالية:
(أ) إذا أودع في حساب العميل مبلغاً من المال مباشرة أو بحوالة مصرفية.
(ب) إذا عقد العميل عقد صرف ناجز بينه وبين المصرف في حال شراء عملة بعملة أخرى لحساب العميل .
(ج) إذا اقتطع المصرف بأمر العميل, مبلغاً من حساب له إلى حساب آخر بعملة أخرى في المصرف نفسه أو غيره لصالح العميل أو لمستفيد آخر , ويغتفر تأخير القيد المصرفي بالصورة التي يتمكن المستفيد بها من التسليم الفعلي للمدد المتعارف عليها في أسواق التعامل على أنه لا يجوز للمستفيد أن يتصرف في العملة خلال المدة المغتفرة إلا بعد أن يحصل أثر القيد المصرفي بإمكان التسليم الفعلي .
2- تسلم الشيك إذا كان له رصيد قابل للسحب بالعملة المكتوب بها عند استيفائه وحجزه من قِبل المصرف ).
وعلى ذلك فإن ما ذهب إليه قرار المجمع السابق ذكره فيما يتعلق باستثناء عقد الصرف من صحة التعاقد بطريق الإنترنت يعتبر صحيحاً في حالة كون التعاقد قد تم عبر البريد الإلكتروني بشكل غير مباشر كما هو الحال حين صدور القرار (سنة 1410هـ , 1990م).
أما في العصر الحالي فالأمر تغير عما كان عليه العمل سابقاً وأصبح بالإمكان تحويل النقود مباشرة من كلا الطرفين إلى الآخر عن طريق وسائل متعددة مما يحقق شرط التقابض الحكمي الذي يقوم مقام التقابض الحقيقي .
ونخلص إلى صحة عقد الصرف بطريق الإنترنت إذا توفر فيه شرط التقابض . والله أعلم.
 
ثالثاً: عقد السلم :
السلم هو : عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض في مجلس العقد(1).
 
(1) انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 3/195 , والقوانين الفقهية ص269 , ومغني المحتاج 2/102 , والمغني 6/385.
ومن شروط صحته تعجيل رأس مال السلم, بأن يتم قبضه في مجلس العقد, وأجاز المالكية تأخيره اليومين والثلاثة.
وإذا تفرق المتعاقدان قبل القبض بطل العقد وانفسخ لأنه يؤدي إلى بيع دين مؤجل بدين مؤجل, وقد ورد النهي عن ذلك(2).
وبيع السلم بطريق الإنترنت يختلف حكمه بحسب الطريقة التي يتم بها التعاقد ودفع الثمن, فإذا تم دفع رأس المال (الثمن) بعد التعاقد مباشرة سواء بطريق الشيك المصرفي أو بحوالة مصرفية مباشرة أو بالنقود الإلكترونية أو نحو ذلك فإن العقد صحيح.
أما إذا لم يتم تسليم الثمن في مجلس العقد فإن العقد باطل عند جمهور العلماء وعلى رأي المالكية يكون العقد صحيحاً إذا كان هذا التأخير أقل من ثلاثة أيام حتى لو كان ذلك مشروطاً ومتفقاً عليه في العقد .
والعمل بقول المالكية هو الأيسر خاصة في التعاقد بطريق الإنترنت . والله أعلم .
 
ــــــــــــــــــــــــــ
(2) وذلك بنهيه صلى الله عليه وسلم عن " بيع الكالي بالكالي " , وهو الدَّين المؤجل بالدَّين المؤجل . رواه الدارقطني وابن عدي والبزار وابن أبي شيبة وغيرهم من حديث عبد الله بن عمر ورافع بن خديج رضي الله عنهم, وفي سنده موسى بن عبيده , وفيه كلام , والحديث ضعيف كما ذكر المحققون من أهل الحديث , ولكن الأمة تلقت معناه بالقبول حتى نقل بعض العلماء الإجماع على منع بيع الدين المؤجل بالدين المؤجل.
أنظر: نصب الراية للزيلعي 4/39 , ونيل الأوطار للشوكاني 5/656 , وإرواء الغليل للألباني 5/220 برقم 1382.