سلطة القاضي التقديرية في نطاق الدفوع الموضوعية :
-------------------------------------------------------
نجد أن إجراءات تقديم الدفع وآثاره القانونية داخل الخصومة تختلف وتتغاير باختلاف نوع الدفع .
ويقع على القاضي مهمة الوصف القانونية لوسائل الدفاع التي تقدم داخل الخصومة المدنية .
وحتى يقوم القاضي بتقدير طبيعة الدفع المقدم إليه ، في نطاق الدفوع الموضوعية أولاً فإن عليه أن يعتمد بصفة أساسية على مجموع الوقائع التي يدعيها الخصوم على أساس أنها مكونة لما يفترض أنه دفع موضوعي .
وعليه أن يستند في ذات الوقت الى قاعدة أو قواعد قانونية مجردة يرى أنها هى المحتملة التطبيق على هذه الوقائع .
ثم يقوم القاضي بعد ذلك بفحص موضوع الدفع ليرى ما إذا كان هذا الدفع يقصد به التمسك .
1- بإنكار الوقائع المنشئة للحق الذي تمسك به المدعى كأساس لطلبه ، أو إنكار الآثار القانونية التي ينسبها المدعى لهذه الوقائع . في مثل هذه الحالة فإن مجرد إنكار الوقائع المنشئة أو إنكار آثارها يراه البعض مجرد تنبيه للقاضي الى واجبه ، لأن عليه ألا يحكم بمقتضى هذه الوقائع إلا بعد إثباتها من جانب المدعى ، وإذا ما تم إثباتها فعلى القاضي من تلقاء نفسه وبدون طلب أعمال حكم القانون عليها وتوليد الآثار المترتبة على هذه الوقائع المثبتة .
 وبناء على ذلك ينتهي هذا البعض الى أن إنكار الوقائع المنشئة أو إنكار آثارها لا يعد في واقع الأمر دفعا موضوعيا ، بل هو مجرد وسيلة دفاع الهدف منها تنبيه القاضي الى واجبه إزاء هذه الوقائع .
والبعض الآخر يرى أن التمسك بإنكار الوقائع المنشئة للحق المدعى به ، أو التمسك بإنكار آثار هذه الوقائع فقط في واقع الأمر دفعا موضوعيا بمعنى الكلمة .
فقيام المدعى عليه بإنكار الوقائع المنشئة يقتضي منه أن يتقدم بدوره الى القاضي بمجموع واقعي جديد يهدف الى تعزيز إنكاره لهذه الوقائع أو آثارها .
 مثل هذا المجموع الواقعي الجديد يتضمن عناصر متعلقة بالمراكز القانونية للخصوم من الناحية الموضوعية ، سواء تعلق الأمر بالواقع أم بالقانون ، وعلى القاضي يقع عبء تقدير كل ذلك .
2- قد يتمسك المدعى عليه ، من جهة أخرى ، بواقعة معاصرة لنشأة الواقعة التي يتمسك بها المدعى ويكون من شأنها منع هذه الواقعة الأخيرة من إنتاج كل أو بعض آثارها القانونية ، كما لو تمسك المدعى عليه بصورية العقد أو بإبطاله للغلط .
في مثل هذه الحالة يرجع القاضي ، بصفة مجردة ، لتقدير مسألة قبول الدفع الموضوع أو عدم قبوله ، الى القواعد القانونية القابلة للحكم على هذا المركز الموضوعي ، ويفحص مراكز الخصوم ويتأكد من أنه من شأن الواقعة المعاصرة للواقعة التمسك بها التأثير في آثار الواقعة الأولى أم لا .
فإذا انتهى الى عناصر الواقعتين وفقا للقانون الموضوعي ، وأن من شأن هذا التعاصر التأثير في الواقعة الأولى تأثيرا سلبيا وفقا للقانون الموضوعي ، فإنه ينتهي الى:
- اعتبار الدفع دفعا موضوعيا .
- تهيئة الدفع للفصل فيه .
3- وقد يتمسك المدعى عليه أخيرا ، بواقعة منهية من شأنها إنهاء آثار الواقعة المنشئة التي تمسك بها المدعى ، كما لو تمسك بالوفاء ، أو بانقضاء الالتزام لأى سبب كان .
هنا يقوم القاضي ببحث أسباب انقضاء آثار الواقعة المنشئة ، ويتم هذا البحث في نطاق القانون الموضوعي ، في  حدود الواقعة التي تمسك بها المدعى عليه ، وعلى ضوء القاعدة القانونية التي يراها القاضي محتملة التطبيق على ما تمسك به الخصوم ، وينتهي إما الى قبول الدفع أو الى عدم قبوله .
وبناء على ذلك فإن النشاط التقديري الذي يقوم به القاضي للدفوع الموضوعية يتم داخل نطاق القانون الموضوعي .
وبحث سلطة القاضي التقديرية في نطاق الدفوع الموضوعية تترتب عليه العديد من الآثار الهامة .
كالتساؤل عن إمكانية إثارة القاضي للدفع الموضوعي من تلقاء نفسه ، أم أنه يشترط ذللك ضرورة تمسك المدعى عليه به .
 
إلا أن مسألة أثرة الدفع الموضوعي بواسطة القاضي من تلقاء  نفسه جائزة حتى ولو لم يتعلق بالنظام العام . لأن الأمر يتعلق في الواقع بسلطة القاضي التقديرية ، وسلطة القاضي في الخصومة ن وبما أن الدفع الموضوعي يعبر عن الوجه السلبي للنزاع ، وحيث أن قواعد العدالة تفرض على القاضي أن يتعرض للنزاع بأكمله سواء في وجهه الإيجابي أو السلبي ، فيكون له أن يحكم من تلقاء نفسه بالدفع الموضوعي ، إذا تبين له ذلك من الوقائع المطروحة عليه ويستثنى من ذلك الحالات التي يشترط فيها القانون صراحة تمسك الخصم بالدفع الموضوعي . (د/ أحمد أبو الوفا ، مرجع سابق)