الدفع بتطبيق قاعدة القانون الأصلح للمتهم
 
تصدر النصوص الجنائية مثل بقية القواعد القانونية المتعلقة بفروع القانون المختلفة، فالقاعدة الجنائية شأنها شأن القاعدة المدنية لها تاريخ نفاذ وليست أبدية، بمعنى أنه يمكن أن يلحقها التعديل أو الإلغاء بواسطة تشريع لاحق، ومعنى ذلك أن يمكن أن تتابع النصوص الجنائية التي تعالج موضوعيا واحدا ساء أكان هذا النص يتعلق بالتجريم في حد ذاته أم بالإجراءات الجنائية.
ففي مجال التجريم يتصور دائما أن يصدر تشريع جديد يحرم فعلا جديدا، أو يحظر سلوكا معينا، أو يعدل من التعريف القانوني لجريمة معينة بإضافة عنصر جديد أو يحذف عنصر من عناصره، وكذلك قد يكون التشريع الجديد ملغيا لتجريم فعل أو سلوك معين، وقد يقتصر التشريع الجديد على تعديل العقوبة تشديدا أو تخفيفا، بحسب ما يراه الشارع محققا للمصلحة العامة التي يحرص القانون الجنائي على حمايتها.
وفي جميع هذه الصور السابقة يتصور أن يحدث تداخل بين هذه التشريعات من حيث الزمان، ولذلك فقد حرص المشرع على حل هذا التداخل وفقا للقواعد والمبادئ المستقرة في القانون الجنائي الذي يتميز بذاتية رخصة باعتباره أداة الدولة في ممارسة حق العقاب، وهو أخطر ما تملكه الدولة من حقوق في مواجهة المواطنين.
فإذا كانت القاعدة الرئيسية في حل التنازع بين التشريعات عموما من حيث الزمان هى أن التشريع اللاحق ينسخ السابق، فهناك من ناحية أخرى قاعدة الشرعية الجنائية وما يتفرع عنها من نتائج والتزامات في نطاق التشريعات الجنائية، ذلك أن المبدأ الرئيسي الذي يمثل أهم معنى لقاعدة الشرعية الجنائية هو مبدأ عدم رجعية القوانين الجنائية الذي يسود في جميع التشريعات المعاصرة، وقد سبق بيان الأساس الفكري لقاعدة عدم الرجعية ومعناها ومحتواها وما تفرضه على كل من المشرع والقاضي من التزامات، ولن تعود الى تكرار كل ذلك، ولكننا سنكتفي بالتذكير بخلاصتها، وهى أن التشريعات الجنائية المتعلقة بالتجريم لا يمكن أن تكون إلا بالنسبة للمستقبل، وليس لها أثر رجعي، وإلا كان ذلك إهدارا لحريات الأفراد وإضرارا بالحقوق المكتسبة، وانتهاكا لمبدأ الشرعية الذي يمثل - كما قدمنا - العمود الفقري للتشريع العقابي، حتى في الدول التي تأخذ بنظام التشريع غير المكتوب.
وسنتناول هنا التطبيقات التي تترتب على هذه القاعدة سواء من حيث التشريعات الجنائية الموضوعية أو من حيث التشريعات الجنائية الإجرائية.
وفي هذا الصدد سنتكلم عن رجعية القوانين الجنائية الأصلح للمتهم ومدى قابلية قواعد الإجراءات الجنائية للتطبيق بأثر رجعي.