في قانون الإجراءات الجنائية المصري





د. أحمد لطفي السيد مرعي





لا يزال حق المتهم في
الاستعانة بمدافع
Droit de l’inculpé
d’avoir un défenseur
من بين الحقوق التي يرد عليها التضييق في التشريع
المصري. فما زالت مرحلة الاستدلالات الشرطية من المراحل التي لم يحسم أمر حضور حق
حضور الوكلاء عن الخصوم فيها بنص واضح وصريح يقرر هذا الحق[1].
حقاً أن قانون المحاماة رقم 17 لسنة 1983 أورد نص المادة 52 التي تؤكد أن للمحامي
حق الإطلاع على الدعاوى والأوراق القضائية والحصول على البيانات المتعلقة بالدعاوى
التي يباشرها ، كما أوجب النص على جميع المحاكم والنيابات ودوائر الشرطة أن تقدم
للمحامي التسهيلات التي يقتضيها القيام بواجبه ، وتمكنه من الإطلاع على الأوراق
والحصول على البيانات وحضور التحقيق مع موكله وفقاً لأحكام القانون.






غير أن البادي من عبارات النص
السابق أنها توجيهية أكثر منها عبارات إلزامية ترتب حقاً للمتهم ، أو ينعقد
البطلان أثراً لمخالفتها. ومن ثم كان يحسن بالمشرع المصري وهو بصدد تعديل قانون
الإجراءات الجنائية أن ينص صراحة - أسوة منه بما اتجه إليه المشرع الفرنسي في القانون رقم 516-2000 الصادر في 15 يونيو 2000 والمسمى
بقانون تدعيم قرينة البراءة وحقوق المجني عليهم
Loi
de renforcement de la présomption d’innocence et droits des victimes
[2] - على حق المشتبه فيه Le
suspecté
في الاستعانة بمحام منذ اللحظة الأولى لبدء احتجاز
الشخص من قبل عناصر الشرطة القضائية ، مع تخويله الحق في طلب ندب محام له إذا لم
يكن قادراً على ذلك. مع ضرورة النص على إلزام الضبطية القضائية بإعلام المشتبه فيه
بهذا الحق. هذا كله إذا كان المشرع راغباً بحق في تدعيم البراءة المفترضة فيمن وجه
له الاتهام بارتكاب جرم ، وباحثاً عن وسيلة لتنقية تلك النظرة المريبة التي يوليها
أفراد المجتمع المصري للوظيفة الشرطية كأحد عناصر الضبط القضائي.






بيد أن المشرع المصري أبى ألا
يوسع قليلاً من تقرير هذا الحق الأصيل للمتهم ، وهكذا جاءت نصوص القانون 145 لسنة
2006 كي توسع من فكرة الاستعانة الوجوبية بمحام أثناء التحقيق. فبعد أن كان حضور
المحامي وجوباً قاصراً في السابق على الجنايات عند الاستجواب أو عند مواجهة المتهم
بغيره من المتهمين أو الشهود ، وفيما عدا حالة التلبس وحالة السرعة بسبب الخوف من
ضياع الأدلة (م.124/1 قبل تعديلها) ، جاء القانون سالف الذكر كي يعدل من نص المادة
124 ويحظر على المحقق أن يستجوب المتهم أو
يواجهه بغيره من المتهمين أو الشهود إلا بعد دعوة محاميه للحضور وذلك في الجنايات
وكذا في الجنح المعاقب عليها بالحبس وجوباً ، هذا كله عدا حالة التلبس وحالة
السرعة بسبب الخوف من ضياع الأدلة على النحو الذي يثبته المحقق في المحضر. وهذا
التوسع محمود ذلك أن هناك من الجنح ما هو على درجة من الخطورة تستوجب دعوة المدافع
لحضور الاستجواب ، هذا فضلاً عن توافق هذا التعديل مع موقف التشريعات الإجرائية
المقارنة ومنها التشريع الفرنسي والإماراتي والسوري والأردني. ورغبة من المشرع في
تدعيم هذا الحق أوجب المشرع في الفقرة الثالثة من
المادة 124 بعد تعديلها بأن يندب المحقق من تلقاء نفسه محامياً يحضر مع
المتهم عند الاستجواب أو المواجهة ، وذلك إذا لم يكن للمتهم محام أو لم يحضر محاميه
بعد دعوته. ولعل هذا يكشف عن أن البطلان هو الجزاء المقرر إذا ما انعقد الاستجواب
في غيبة محام ، ونوع البطلان هنا نسبي لتعلقه بقاعدة مقررة لمصلحة الخصوم[3].






هذا وقد أنهت المادة 124
المعدلة حديثها عن حق المحامي في أن يثبت في المحضر ما يعن له من دفوع أو طلبات أو
ملاحظات. ولعل المشرع قد أراد بهذه العبارة أن يرسخ ويثبت قدم المدافع عن
المتهم أثناء التحقيق ويجعله نداً يقف على
قدم المساواة في خصومته مع النيابة العامة ويجعله شريكاً في إدارة التحقيق ، بعد
أن كان نص المادة 124 قبل تعديلها يقرر في الفقرة الثانية أنه "لا يجوز
للمحامي الكلام إلا إذا أذن له القاضي (أي قاضي التحقيق) ، وكانت المادة 609 من
التعليمات العامة للنيابة العامة[4]
ترسخ ذلك بقولها "إذا حضر محامي المتهم فلا يجوز له أن يتكلم إلا إذا أذن له
عضو النيابة المحقق ، ولا تسمع من المحامي مرافعة أثناء التحقيق ، وتقتصر مهمته
على مراقبة حيد التحقيق وإبداء ما يعن له من دفوع وطلبات وملاحظات على أقوال
الشهود كتابة أو شفاهة".






وتدعيماً لحق المتهم في
الاستعانة بمدافع ، والذي تظهر أهميته بخاصة في مرحلة المحاكمة ، جاء التعديل
التشريعي ليتناول الفقرة الأولى من المادة 237 من قانون الإجراءات الجنائية بحيث
يوجب في الجنح المعاقب عليها بالحبس الواجب تنفيذه فور صدوره أن يكون مع المتهم
الحاضر محامياً ، أو تندب له المحكمة محامياً إذا لم يكن له محام.













[1]
راجع لمزيد من
التفصيل ، د. حسن محمد علوب ، استعانة المتهم بمحام في القانون المقارن ، رسالة
دكتوراه ، القاهرة ، 1970 ، د. محمود أحمد طه ، حق الاستعانة بمحام أثناء تحقيقات
الشرطة القضائية ، دار النهضة العربية ، 1993.







[2]
راجع حول بعض ما
جاء بهذا القانون د. أحمد لطفي السيد ، حقوق الإنسان في الإجراءات الجنائية ، بحث
نشر ضمن أعمال مركز بحوث الشرطة حول دور الشرطة في حماية حقوق الإنسان ، الإصدار
الأول ، يوليو 2005 ، وذلك في إطار مشروع أعده نخبة من المتخصصين لدراسة حقوق
الإنسان وآليات حمايتها على الصعيدين الوطني والدولي (شمل البحث من هذا المؤلف
الصفحات من 43 وحتى 167).







[3]
د. محمود نجيب حسني
، شرح قانون الإجراءات الجنائية ، دار النهضة العربية ، 1998 ، ص586 وما بعدها ،
د. عبد الرءوف مهدي ، شرح القواعد العامة للإجراءات الجنائية ، دار النهضة العربية
، 2003 ، ص518. كان قد جاء في حكم منتقد لقضاء النقض أن الاستجواب يكون صحيحاً
بدون حضور المحامي ولو أغفل وكيل النيابة سؤال المتهم عما إذا كان له محام أم لا.
راجع نقض 2 مايو 1995 ، طعن رقم 19862 ، س94 قضائية.







[4]
راجع التعليمات
العامة للنيابات ، الكتاب الأول ، التعليمات القضائية ، القسم الأول في المسائل
الجنائية ، 1980.