مكتب / محمد جمعه موسى للمحاماه
مرحبا بك معنا و نتمنى أن تكون من أعضاء منتدانا
و تساهم معنا ليستفيد الجميع ، و شكرا لك


مكتب / محمد جمعه موسى للمحاماه
مرحبا بك معنا و نتمنى أن تكون من أعضاء منتدانا
و تساهم معنا ليستفيد الجميع ، و شكرا لك

مكتب / محمد جمعه موسى للمحاماه
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

مكتب / محمد جمعه موسى للمحاماهدخول

القانون المصرى

محمد جمعه موسى للمحاماه *جمهوريه مصر العربيه - محافظه البحيره - رشيد *01005599621- 002-01227080958-002

descriptionالمسؤولية الطبية للطبيب Emptyالمسؤولية الطبية للطبيب

more_horiz
إني
رأيت أنه لا يكتبُ إنسان كتاباً في يومِهِ إلا
قال في غده : لو غُيّر هذا لكان أحسن.
ولو زيد كذا لكان
يُستحسن . ولو قُدم هذا
لكان
أفضل

.
ولو تُرك هذا لكان أجمل
. وهذا من أعظم العبر وهو دليل على استيلاء
النقص على جملة البشر



العماد
الأصفهاني





الإهـداء


إلى
رجال العلم والمعرفة
سدنة
الحق وحماة القانون
.


إلى
الذين نذروا أنفسهم لإقامة جلال وجمال العدل بين
الناس .


إلى
رسل الإنسانية الحكماء والأطباء



إلى
رجال القانون في أرجاء هذا
الوطن
العربي الكبير



أقدم
هذا الكتاب إجلالاً وتقديراً



بسم الله الرحمن الرحيم


كلمة افتتاحية



الأصل
في الإنسان أن يباشر حقوقه
ويفي
التزاماته وفقاً لما يقتضي حسن النية
.
فإذا اقترف ما يخلّ
بهذا المبدأ
العام
الذي تفرضه الأصول ، عدّ أنه قد خرج عن الحدود والالتزامات التي رسمها
القانون لتصرفات الفرد ، ذلك أن القانون لم
يترك الإنسان حراً في تصرفاته بحيث يؤذي
الغير ويضرّه ، إنما نظم سلوكه وعلاقته مع
الأفراد بقواعد قانونية ملزمة ، رتب على
مخالفتها المسؤولية


وعلى
أساس هذا الالتزام القانوني ، فرضت قيود على الحقوق
الشخصية .
هذه القواعد تنظم نشاط
المرء الخارجي غير حافلة بنواياه المستترة
لطالما أنها لم تأخذ مظهراً خارجاً يضر الغير


فالمرء
بتصرفه إذن ملزم وخاضع
لقاعدة
السلوك

Régle de Conduit
فهو
ملزم أن يراعي هذه القاعدة ، فإذا حاد عن قواعد
الأخلاق مثلاً فقد ارتكب خطأ أخلاقياً يحاسب
عليه أمام ضميره وأمام الله ، فهو
بالتالي
مسؤول مسؤولية أدبية ولا شأن للقانون فيه
.
أما إذا كان الخطأ الذي اقترفه قد خالف به حدود القانون ، معناه أنه
أخل بقاعدة قانونية ، وبالتالي فقد أضر
بحقوق الغير ، فيعتبر بهذه الحالة مسؤول
مسؤولية قانونية

.




فالخطأ بحسب هذا المفهوم إذن : هو الإخلال بالتزام سابق


Un
manquement à une obligation préexistante




وعدم
الخطأ في التصرف ، هو السلوك السليم . والسلوك السليم : هو
ما كان يجب على المرء أن يقوم به أثناء تصرفه
، أي : هو السلوك المجرد عن الخطأ
.
أما السلوك الخاطئ : هو
السلوك الذي ما كان على المرء أن يسلكه ، أي : هو
السلوك المخلّ بالقاعدة القانونية.


والمرء
بصناعته أو مهنته يتطلب منه أثناء
مزاولتها
أن يتقيد بالقواعد القانونية
.
فالمحامي على الرغم من
أنه يجب عليه
مراعاة
قواعد مزاولة المهنة ، فهو خاضع للقواعد العامة في المسؤولية ، فهو إذ يعتمد
على الثقة يعتبر في الوقت ذاته ولي أمر الدعوى Patron du
client
أو سيد الدعوى Deminus litis وهو وإن كان لا يسأل عن آرائه وإرشاده ما دام
أنه مدفوعاً في السير
بالدعوى
بطريقها المأمون بحسن نية ، ولو نتج عن نصحه ضرر فلا مسؤولية عليه



إنما
إذا أخطأ في تقدير الدعوى تقديراً قانونياً بما
لا يصح أن يصدر عمن يتولى الدفاع بين الناس فقد حق عليه التعويض ،
فهو في هذه الحالة مسؤول مسؤولية
مدنية .


وكذلك
الطبيب الذي يصدر عنه خطأ أو تقصير أثناء ممارسته لمهنته تجاه
المريض الذي يتولى علاجه فهو مسؤول عنه


ويترتب
على هذه المسؤولية إلزامه
بالتعويض
عما ألحقه من ضرر
.
ولئن كانت مسؤولية
الطبيب تدخل في نطاق المسؤولية
عن
الأخطاء المهنية ، بيد أن جرأة الأطباء واستخفافهم بواجبهم ، وعدم رعايتهم قواعد
الفن ، جعلت المحاكم تأخذهم بالقسوة ، حماية
للجانب الضعيف الذي يصعب عليه إثبات
الخطأ .


وهل
معنى ذلك أن خطأ الطبيب خطأ مفترض ؟
وهل
يسأل عن الخطأ الخفيف أم
الخطأ
الجسيم ؟
وما
هي المسؤولية عن الأخطاء التي لم يكن قوامها علم الطب
؟
وهل يسأل الطبيب عنها
على أساس المسؤولية العقدية لإخلاله بالتزام التبصر
واليقظة ؟
وهل أن المسؤولية عن الأخطاء
الطبية بمعناها الفني إنما هي مسؤولية
تقصيرية ، ويشترط فيها أن يكون الخطأ جسيماً ؟
وما هو معيار هذا الخطأ ؟ وهل هناك
قواعد
ضابطة لمسؤولية الطبيب ومداها



وما
هو موقف الشريعة الإٍسلامية والشرائع
السابقة من هذه المسؤولية ؟
وهل رتبت أي مسؤولية
على الطبيب . وما هو مركز هذه
المسؤولية
في القانونين السوري والفرنسي



كل
هذه الأمور سنحاول أن نميط اللثام
عنها
في كتابنا هذا فنعالج مسؤولية الطبيب في الحدود التي رسمها القانون والاجتهاد
،
ونقارنها بالتشريعات القديمة والحديثة في الفقه الفرنسي والفقه السوري والمصري



كل
ذلك خدمة لمفهوم الحق الذي استق من اسم الحق ، المطلع على عباده في تواصيهم
بالحق ، وتواصيهم بالصبر على أداء الحق


وأي
حق أجدر بالبحث من حق الإنسان
المتصل
مباشرة في
حياته
؛ فحق المريض تجاه الطبيب إنما هو الحرص على سلامته ومساءلة
الطبيب عن الخطأ فيما يلتزم به من عناية وتبصر
، ذلك وإن كان الطبيب لا يلتزم بشفاء
المريض، إلا أنه يتضمن التزامه بأن يبذل
جهوداً خاصة مصدرها الضمير ، ومؤادها
اليقظة ومطابقتها ـ في غير الأحوال
الاستثنائية ـ للأصول العلمية الثابتة وهي
الأصول المستقر عليها لدى أهل هذا العلم .
فمسؤولية الطبيب فرضت
حماية لحياة
الإنسان
من الاستهتار بها ، فقواعد المسؤولية إذا أحاطت المرء ، إنما قصد منها
التشديد على سلوك المرء في تصرفاته وأعماله
أثناء مزاولته لمهنته



فكل
امرئ

مسؤول أمام القانون إذا
تجاوز الحدود المرسومة فيه ، فألحق الضرر بالغير أثناء
مزاولته لأي عمل ، ففي هذه الحالة حقت عليه
المسؤولية ، وفرض عليه الجزاء وهو
التعويض


فالمسؤولية
إذ تلازم فكرة الحق فهي تنتهي لتلك الفكرة وأساس تقنينها
وتطبيقها . ولئن كانت المسؤولية قديمة قدم
الحق إذ نشأت إلى جانبه إنما تتردد اليوم
على لسان كل إنسان في الدفاع عن حقه ، لطالما
عرف هذا الإنسان حقوقه
.


والمرء
إذ

يسأل عن الحدود التي
ترتب عليه المسؤولية إذا تجاوزها ، فهو إذن يبحث عن المدى الذي
يطال به القضاء ويفرض عليه المسؤولية . فهو
بهذا يسأل عن حماية نفسه وحماية غيره



يسأل
عن الالتزامات المترتبة عليه ، والنتيجة المباشرة التي رتبها عليه
القانون ، فهو بكلمة حقه يبحث عن الحق فيعرف
حده ويقف عنده

.




هذا الحق الذي لا ينسب إلى شيء ينسب إليه ، وهو الذي لا يحمل
على شيء ، إنما كل شيء يحمل عليه . وهو
متفق من كل وجه يطرب به الراضي ويقنع به
الغضبان . مشرق في نفسه ، موثوق بحكمه ،
معمول بشرطه ، معدول إلى قضيته ، عليه أقام
الله الخلق , وبه قبض وبسط وأحكم وأقسط




مقدمة الطبعة الثالثة



صدرت الطبعة الأولى من
المسؤولية المدنية للطبيب
في
عام /1966/ ، كما صدرت الطبعة الثانية منها في عام /1975
/ .



وقد كان لاستقبال هذا الموضوع الأثر البالغ في نفوس رجال البحث
العلمي من علماء القانون وعلماء الطب
أذكر منهم على سبيل الشكر والاعتزاز ما كرموني
به بما قالوه عنه
:



«
أنه مؤلف ينم عن كفاءة علمية واسعة وقد أثنى على مؤلفه
وأستشهد ببعض آرائه الدكتور سليمان
مرقص
في محاضرة ألقاها في حلب بعنوان ضبط معيار المسؤولية »(1
) .


كما
أذكر مما
قالوه
أيضاً



« أطلعت على كتاب مسؤولية الطبيب المدنية لمؤلفه
الأستاذ عبد
السلام
التنجي فإذا به درة فريدة ثمينة المادة عميقة الجوهر فياضة المعين بالغة
الاتقان تشّرف المؤلف الكريم وتشهد له في
اليقظة الفكرية ، وسعة الإطلاع ، وتجعل من
كنـزه هذا المرجع الشرعي المعاصر العربي
الأوحد في هذا الموضوع الخاص وخاصة أن
الأستاذ التنجي أستاذ جامعي أجاد بشرح موضوعه
ببلاغة رجل القانون المضطلع ، ودقة
القاضي
المتشرع والمتفهم أسرار القضاء ولغته الخاصة » (1
) .



هذا وقد عزمت على إعادة طبع هذا المؤلف بعد أن نفذ من الأسواق
نزولاً عند رغبة رجال القانون من
محامين
وقضاة اسهاماً منا في سد فراغ هذا الموضوع من المراجع العلمية العربية،
وخاصة فيما يعرض على القضاء من قضايا دقيقة في
نطاق مسؤولية الطبيب وما تعتريها من
وجوب
ضبط معيار هذه المسؤولية تبعاً لاتساع شمولها في التطبيق العملي في الحياة وما
يتعرضها من مشاكل ، يقف الأطباء حيارى أمامها
، سواء في نطاق البحث العلمي
الأكاديمي
، أو في نطاق التطبيق العلمي وخاصة إزاء أمراض جديدة لم تكن معروفة من
قبل وتحتار تجاهها القضاة في تحقيق المسؤولية .


هذا
وقد استعرضت في هذه الطبعة
ما
عرض على القضاء بشكل عام قضايا عديدة لتحديد المسؤولية عن الأخطاء المرتكبة
ومداها بدءاً من فحص المريض وتعيين المرض
وإعطاء التقارير الطبية وكشف الخطأ في
التشخيص تبعاً لتشابه الأعراض أو في إفشاء سر
المهنة وغيرها وانتهاء بأخطاء الطبيب
المخدر المفضية إلى الموت ، أو مساءلة الجراح
إزاء نقل الأعضاء أو ارتكاب الخطأ في
زرعها إلى غير ذلك من قضايا في غاية التعقيد .


كل
هذه الأخطاء تدور مع علتها
وجوداً
وعدماً حول تعيين المسؤولية عنها من جهة ، وتحمل عبء الإثبات من جهة ثانية
إذ المعروف تبعاً للقاعدة العامة أن عبء
الإثبات في الأصل يقع على المدعي ، ولكنه
في موضوع مسؤولية الطبيب قد يقف المدعي أمام
معطيات علمية يجهلها فيكون حائراً
أمامها
، إذ لا يستطيع أن يثبت تقصير الطبيب وخروجه عن الأصول الفنية للسلوك الواجب
الاتباع سواء في مجال التداوي أو في مجال
الجراحة . .



لهذا
فإننا نرى أن بعض الدول
العربية
قد استجابت حركة التشريع فيها لهذا الاتجاه ، تبعاً للجانب الضعيف وهو
المريض ، فنقلت عبء الإثبات من المدعى إلى
المدعى عليه ، وذلك بأن يثبت أن التزامه
كان متفقاً مع الأصول الفنية والسلوك الواجب
الاتباع ، وإن الخطأ الواقع لم يكن
ناجماً
عن سلوكه بل إنه من الغير وهذا ما اتجه إليه فقهاء القانون لمعرفة حقيقة
الوضع في معالجة الأمراض وإيجاد الحلول
القانونية لمعرفة مدى مسؤولية الطبيب عن
الأخطاء ، الناجمة عن السلوك الخاطئ ، طالما
قد ألحق الطبيب ضرراً بالمريض مهما
اتسم
وصف هذا الخطأ سواء كان بسيطاً أو جسيماً ولا سيما إزاء التطور المزهل في
الاكتشافات الحديثة للأمراض المستعصية
المجهولة السبب التي ظهرت والتي لم تكن
معروفة من قبل، وخاصة في عالم متطور يتقدم
اليوم بسرعة مزهلة تكنولوجياً وعلمياً
وقانونياً .


ولا
شك أن هذا في نظري ونظر كل منصف يدعوه أن يقرر : أن صياغة صحة
الإنسان من أقدس الواجبات الملقاة على عاتق
الطبيب في ظل تشريع متطور وقضاء عادل
حريص على إحقاق حقوق المرضى المتهافتين على
أبواب الأطباء ، بغية إنقاذهم من
أمراضهم
وتعويضهم عن الأخطاء المرتبكة من قبل الأطباء المستهترين منهم بمرضاهم
والبعيدين عن الروح العلمية والرسالة الطبية ،
وخاصة في وجوب سلوكهم المهني اليقظ
الواجب
تحقيقه

.



هذا
وبما أن القانون المدني مرآة لحضارة الشعوب فإنه من المسلم
به ، أنه يتضمن القيم والمفاهيم التي يحترمها
المجتمع ، ويسهر على تطبيقها ، وخاصة
في نطاق المسؤولية إذ هي ميزان الحق ومركز
التوازن في الحياة ، وعلى الأخص إذا كان
الحق متصلاً بحياة الإنسان مباشرة ، وهذا ما
يوجب على الدول تبعاً لضمانات الحياة
البشرية أن تنشئ صندوقاً للتأمين ، لضمان
الأخطاء التي تصدر عن الأطباء في سلوكهم
المهني ، والتي تشارك في دعمه تبعاً لمساهمة
كل طبيب قائم على عمله ، وذلك بدفع
جعالات
سنوية بحيث يغطي صندوق التأمين التعويضات التي سيحكم بها على أي طبيب يلحق
الضرر بالمريض . وهذا ما تضمنه تشريع
الجماهيرية العربية الليبية



هذا
وإني من
منظور
المحافظة على صحة الإنسان المقدسة وحماية لها من أن يكون جسم الإنسان حقل
تجارب للأطباء حرصت على التوسع في موضوع
المسؤولية وحددت ضوابط ومعايير هذه
المسؤولية
، كي يكون الأطباء في منأى عن الدعاوى التي قد يتعرضون لها ، فضلاً عن
عدم جواز استخدام وسائل الإعلام التي تنال
منهم قبل صدور حكم مبرم يقضي بإدانتهم ،
وإلا لحدّ من حماس الأطباء في معالجة مرضاهم ،
إذ الأطباء بشر غير معصومين عن
الأخطاء
، وقد أعرب الأطباء عن قلقهم خيال ملاحقاتهم قضائياً في مؤتمر عقد في باريس
بتاريخ 29/10/1972 طالبوا فيه بسن تشريع خاص
بهم، يكون استثناء من القواعد العامة
لحمايتهم مما قد يتعرضون له من مسؤوليات
المخاطر التي قد يتعرض لها مرضاهم (1
) .


هذا
وقد أعرب رجال القانون على أن مطالب الأطباء لا تخلو من أساس إنساني ، وهم
يدركون أن من واجب القضاء أن ينظر في الدعاوى
التي تقام على الأطباء على أنها مشكلة
تتطلب حلاً واقعياً منصفاً ، كما أعربوا عن
مشاعرهم هذه في المؤتمر المذكور إذ جاء
تقريرهم في ختام مؤتمرهم


« أن الأطباء القانونيون يدركون الحرج الذي يقع » « فيه الطبيب حيال مريض جاء في حالة خطرة، » فهل يرفض معالجته بحجة أن المرض أقوى من »
«
إمكاناته الفنية ، وفي
هذه الحال يمكن أن يتعرض » « إلى ملاحقة
«جزائية
، أم يبذل له عناية أقل مما
» تتطلبه حالته «ليتفادى المتاعب ، فيتعرض كذلك » « إلى المساءلة (1)» .
على أن العميد سافاتيه
يقول



« إن الطبيب الصالح لا يفكر كثيراً في المسؤولية القانونية كما أن القضاء يفرق بين خطأ وخطأ، إذ» « يدرك أن التشريد في
مساءلة الأطباء يهدد المهنة » « الطبية إذا
يحجمون عن تلبية دعوة المرضى أو معالجتهم ، كما أن الاتجاه البين من القضاة الذي » « تسير فيه أحكامها في الدعاوى لا يمكن
أن تهمل » «حالات الخطأ الذي لا
يغتفر
بل إن الأطباء أنفسهم» « يستنكرون غفرانها من قبل رجال القانون



في
ضوء

هذه المعطيات القانونية
وإزاء المبادئ القانونية العادلة المستقرة فقد طرحنا
مسؤولية الأطباء في هذه الطبعة الحديثة في
أفقها الواسع ، التي لا تجنح إلى تحديد
مسؤولية الطبيب نتيجة ارتكابه للخطأ فحسب ، بل
توازناً مع صيانة حقوق المرضى ضحايا
الإهمال
أو الاستهتار ، المتمثلة في عدالة واعية ، لابدّ من تطبيقها إنصافاً لحقوق
الطرفين دون مغالاة أو شطط ، وتمشياً مع
النصوص القانونية الراهنة والآراء الفقهية
المعززة بالاجتهادات القضائية ، كل ذلك حرصاً
على تحقيق الرأي العلمي واعتماده
وحرصاً
منا على حماية الأطباء من أن يتعرضوا لدعاوى كيدية بعيدة عن هدف العدالة
والإنصاف، كل ذلك لتبقى مهنة الطب رسالة سامية
هدفها تحقق شفاء المرضى من العلل
التي
تشكو منها بدافع إنساني علمي ، تحقيقاً لغايات سامية بحيث لا يبقى الطبيب
بمنأى عن التداخل أو التعرض لدعاوى خلبية
غايتها التشهير والابتزاز



هذا
وقد

تعرضت في هذه الطبعة
الثالثة لمفاهيم المسؤولية المدنية عامة وتأصلها في الشريعة
الإسلامية كي تكون مناراً يهتدي بها في ترسيخ قواعد المسؤولية المدنية للطبيب وإني لأرجو أن أكون في هذا المؤلف بثوبه الجديد قد
وفّيت الغرض خدمة للحق والعدالة والله
من وراء القصد


تمهيـد


لقد
بلغ القانون في العصر الحديث ذروته ،
وتوسعت مفاهيمه وأبحاثه وأضحت الشرائع الحديثة
تواكب التطور الملحوظ في المجال
العلمي
بعد أن تقدمت المخترعات وازدهرت الصناعات وظهرت نظريات علمية تناولت مجالات
لم تكن معروفة من قبل ، وبديهي أن يكون لهذا
التقدم الأثر الفعال في تعديل معظم
الشرائع
طبقاً لنواميس الرقي في كافة المجالات مما اضطرت معظم الدول إلى تعديل
شرائعها وإقرار مبادئ قانونية تتمشى مع هذه
النهضة

.
إزاء هذا التوسع
والتعديل
في
المباحث القانونية والتشريع نشأت نظريات جديدة وإن كان لها بعض التأييد في
النصوص القديمة ، كنظرية التعسف باستعمال الحق
التي نص عنها القانون المدني السوري
في
المادة (6) التي لا تجيز استعمال الحق إلا ضمن الحدود التي رسمها القانون ، فهي
لا تجيز للمرء استعمال الحق لغرض غير مشروع ،
كأن يكون إرواء لشهواته ، أو إرضاء
لنزواته
، أو لإلحاق الضرر بالغير دون أن تكون هناك مصلحة ظاهرة في استعمال حقه ،
أو أن تكون المصالح التي يرمي إلى تحقيقها
قليلة الأهمية ، بحيث لا تتناسب البتة مع
ما يصيب الغير من ضرر بسببها ، فإذا نشأ عن
فعله ضرر أصبح مسؤولاً ويتوجب عليه
التعويض


كما
ظهر إلى جانب هذه النظرية نظرية تحمل التبعة
(RISQUE) .
ولقد كان لهذه النظرية الأهمية الكبرى في نطاق
المسؤولية

.
والى جانب هذه فقد ظهر أيضاً في التشريع الحديث دعاوى لم تكن معروفة
من قبل ، كالدعوى البوليانية ، والغير
مباشرة ، ونظرية الظروف الطارئة ، ونظرية
الضمان ، تحمل التبعة
(RISQUE) التي أفسحت المجال
لتقرير الحكم بالتعويض دون أن تبحث في ثبوت صدور الخطأ عن المسؤول، بل
اعتبرت أن الخطأ مفروض ، وقد ظهر لهذه النظرية
دراسات خاصة ، منها كتاب حوادث العمل
، والمسؤولية المدنية
للعلامة (سالي) المطبوع في باريس عام /1887/ ، وكتاب مسؤولية
الأشياء المطبوع في فرنسا للعلامة (جوسران) .
ولئن كانت هذه النظريات
أو المبادئ
الحديثة
مدار اهتمام المشرعين والباحثين ومع ذلك فإنهم لم يكونوا سباقين إليها ،
فقد سبقهم عندنا الفقهاء حيث أسسوا مذاهبهم
واجتهاداتهم على قواعد ومبادئ منطقية
سليمة ، حققوا بها العدالة منسجمة مع واقع كل
عصر باسم المصالح المرسلة ، أو
الاستحسان
، والرأي ، والقياس ، و الإجماع ، وقد كان لتراث الشريعة الإسلامية فخراً
كبيراً تدل على عبقرية الفقهاء الفذة ، بحيث
دعت كبار العلماء الغربيين أن يفاخروا
بها ، ويشيدوا بمجد التشريع الإسلامي ، مما
دعا الأستاذ (لامبير) في المؤتمر الدولي
لمقارنة القوانين الذي انعقد في مدينة لاهاي
عام /1932/ أن يشيدوا بمحاسن هذه
الشريعة
الغراء ، كما شعر بهذا الشعور معظم الدول الأوربية المتمدنة ، فلم يبحثوا
في نظرية قانونية سواء أكان في باب الأصول أو
القانون إلا ووجدوا لهذه النظرية
شبهها
في التشريع الإسلامي . وهذا التشريع لا نجده في أي مسألة تعرض إلا ولها حل
وحكم عنده حتى تجاوز إلى التشريع في
المستحيلات العادية على فرض وقوعها
.


وهذا الفيض التشريعي الذي زخرت به عقول مشرعي الأمة
كان مصدره القرآن والسنة ، إذ أن عدد
الآيات التي هي أصول الأحكام في القرآن بلغت
مائة وعشرين آية ، وعدد الأحاديث التي
هي أصول الأحكام خمسمائة حديث منتشرة في أربعة
آلاف حديث ، بيد أن أصول الشريعة لا
تقتصر
على هذين المصدرين



فالشريعة
الإسلامية مرنة ، ونحن نجد أن طبقات
المشرعين
في كل عصر ظلوا يطبقون الأحكام على النوازل ، ثم انتقلوا إلى جانب ما
يستمدون أحكامهم منه القرآن والسنة ، إلى
روافد أصحاب المذاهب والفرق ، يطبقونها في
كل عصر على ما تقتضيه عادة أهل العصر .
حيث جعلوا العادة شريعة
محكمة ونصوا على
أن
العرف له اعتبار في الشرع يتغير بتغير الأحكام به بمقتضى الزمان ؛ وقد أجاز
الفقهاء المتأخرون ذلك حجة منهم في إجازتها
لرفع الحرج عن الأمة ، عملاً بالقاعدة
والأصل في الأمر أن الاجتهاد مصدر من[
ما جعل عليكم في الدين
من حرج
]القرآنية مصادر الشريعة ، عملاً بحديث سيدنا معاز أن
النبي
المسؤولية الطبية للطبيب Clip_image001لما أرسله إلى اليمن قال له : بم
تقضي ؟ قال : بكتاب
الله . قال : فإن لم تجد ؟ قال بسنة رسول الله . قال : فإن لم تجد ؟ قال أجتهد برأي . فأقره (1). وكان
أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله
، فإن وجد فيه ما يقضي
به ، قضى به ، وإن لم يجد، نظر في سنة رسول الله ، فإن أعياه
ذلك ، سأل الناس : هل علمتم أن رسول الله المسؤولية الطبية للطبيب Clip_image001قضى به بقضاء ؟ فربما قام إليه القوم فيخبرونه ، فإن لم يجد سنّة سنّها
النبي ، جمع
رؤساء
الناس فاستشارهم ، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به
. وكان
عمر يفعل ذلك ،
فإن
أعياه أن يجد في الكتاب والسنة ، سأل عن عمل أبي بكر فيه ، وإلا ، جمع رؤساء
الناس واستشارهم ، فإذا اجتمع رأيهم على شيء
قضى به (1
).
وهكذا نجد أن الشريعة الإسلامية قد أحاطت بكل كبيرة وصغيرة فكيف
تضّل أمة هذا تشريعها وقد خلف لها الرسول
الأعظم تراثاً رائعاً ومجداً عظيماً


حيث
قال

: خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما ، كتاب الله وسنتي » . رواه البخاري (2)


وإننا إذ نقول أن الشريعة الإسلامية لم يشبها
أي

قصور في إدراك الأحكام
وإيجاد الحل لها مهما تبدلت الأزمان ، بل نجد أنها فاقت حتى
التشريع الحديث ، ففي نطاق المسؤولية تخلف
التشريع الحديث عن مسألة من يمتنع عن
إسقاء رجل عطشان ، في حين أن الشريعة
الإسلامية نصت

:
أن رجلاً أتى أهل ماء فاستقاهم فلم يسقوه حتى مات عطشاً ، فأغرمهم
سيدنا عمر في هذه الحادثة دية الميت
(3) . كما أن أبو بكر كان يعوض عن الضرر من بيت المال إذا أخطأ عماله في سبيل القيام بواجبهم ، في حين أن عمر بالنسبة
للأخطاء التي يقترفها عماله يرى الاقتصاص
منهم ويقول : إني لم آمرهم بالتعدي فهم أثناءه يعملون لأنفسهم لا لي


وعلى
هذا أخذ من ظهر عليه الخطأ منهم بالمسؤولية الشخصية . كما روى أيضاً عن
عمر ، أنه أوجب التعويض على السيّد عن أعمال
تابعه ، واعتبر السيّد مسؤولاً عن
خادمه(1)


وهكذا
نجد أن الشريعة الإسلامية سمت في حفظ الحقوق ومساءلة الناس
عنها حتى أنها حفظت الحيوان من الاعتداء ، ورتبت
المسؤولية على المعتدي . فقد ورد
في
تاريخ ابن الجوزي عن المسيب بن دارم قال : رأيت عمر بن الخطاب يضرب جّمالاً وهو
يقول حمّلت جملك مالا يطيق


وفي
تنقيح الحامدية عن البزازية أن ضارب الحيوان
على وجهه يخاصم مطلقاً ،وضاربه على غير وجهه
للعثار يخاصم أيضاً لا للنفار قال



لأن
الشارع نهى عن الضرب على الوجه ، لأن العثار من سوء إمساك الراكب اللجام ،
لا من الدابة ، فينهي في هاتين الحالتين عن
ضربه ، أما النفار فمن سوء خلق الدابة
فتؤدب على ذلك (1) .


هذا
الينبوع الفوار في التشريع الإسلامي الذي كان مرد فخر
حضارتنا واعتزاز الأخلاف عن الأسلاف ، إنما
كان مصدراً لجميع أبواب القانون ،
وأصوله
في الفقه الإسلامي



إلى جانب ما ذكرناه فقد عالج الفقهاء نظرية
السبب
فقالوا
: إن السبب هو الغرض المباشر المقصود في العقد ، وإن كل تصرف أو عقد يجب أن
يكون له سبب ، أما إذا كان الأمر مجرد وعد بلا
تعليق أو سبب ، فالوفاء به غير لازم
شرعاً،
وإن كان لازماً في شرعة الأخلاق ، وهذا معنى نظرية السبب الحديثة



وقد أوضحوا أن من شروط السبب ألا يكون واجباً على
المتعاقد بدون العقد ، فلو استأجر
إنسان
خادمه الخاص للقيام بعمل معين يدخل في نطاق عمله باعتباره خادماً خاصاً ،
كانت الإجارة باطلة لعدم قيامها على سبب ، ما
دام العمل المستأجر عليه واجباً بدون
عقد الإجارة على المتعاقد الآخر


وإنه
يجب أن يستمر قائماً حتى يتم التنفيذ
فإذا زال السبب فسخ العقد لأنه يصبح بلا أساس
، فإذا استأجر أرضاً للانتفاع
بزراعتها
فأصبحت غير قابلة للزراعة لانقطاع الماء عنها ، أو داراً يسكنها فانهدمت ،
ففي هاتين الحالتين وسواهما نحد ، أن سبب
العقد الصحيح أصبح غير قائم ، وتكون
النتيجة
انفساخ العقد وانتهاؤه لزوال سببه (1
).


كما
اشترطوا أن يكون السبب
مشروعاً
كما هو الشأن في الفقه الحديث ، فإذا كان موضوع العقد صحيحاً ومباحاً شرعاً
لكن السبب ليس بمشروع ، فالعقد باطل ، كتأجير
دور الدعارة ، أو بيع أدوات الميسر ،
أو بيع السلاح لقاطع الطريق مع علم البائع ،
فكل هذه العقود غير صحيحة لعدم مشروعية
السبب (2) .


كما
عالج الفقه الإسلامي نظرية الكسب غير المشروع وهي نظرية الإثراء
بلا سبب ، فوضعوا القواعد التالية : عن الإمام أحمد ومالك : أن العمل النافع الذي يكون الإنسان دائناً لغيره يجيز
له المطالبة بأجر ما دفع ، فإذا عمّر
شخص قناة لغيره ، أو أصلحها بغير إذنه ، فإن
له الأجر على ما عمل ، وهو أجر المثل ،
وهكذا كل من فعل فعلاً يحفظ به مال الغير
ويصونه ، كان له أن يرجع عليه بأجر مثله
. كما
يقرر أصحاب مالك أيضاً ، بأن من استلم شيئاً أو وجد تحت يده شيئاً أو
مالاً بدون سبب مشروع يبين وجوده تحت يده ،
وأثرى فيه ، يجبر على رده على نفقته إلى
من أثرى على حسابه (1). أما
في أحكام المسؤولية فقد اعتبرت الشريعة الإسلامية أن
من قتل]المسؤولية المالية لا تتوقف على القصد أو
التمييز بدليل قوله تعالى
: .[مؤمناً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة لأهله فقد جاء النص مطلقاً ولم يشترط [
وكل إنسان ألزمناه
طائره في عنقه
]التمييز والأهلية بدليل قوله تعالى : .
فالصبي الذي يتلف مال
الغير يلزمه الضمان من ماله ولو كان غير
مميز ، وهو قول الجمهور من السلف والخلف ، ومرد ذلك أن
المسؤولية المالية لا تتوقف على التمييز أو
القصد ، فالإنسان إذن مسؤول عن تصرفاته الضارة
للغير منذ ولادته ، وهذا متفق عليه
(2).


ومنهم
من قال : إن المباشر ضامن ولو لم يقصد إذ قال الإمام ابن رشد الحفيد
:
«
أن الأموال تضمن عمداً
وخطأ في مسائل الإتلاف بالمباشرة
»


وهذا
الحكم
قال
به جمهور أصحاب المذاهب
: فالمباشر ضامن وإن لم يتعمد(1) هذه بعض الأحكام الفقهية في الشريعة ويطول في المقام
لو نقلتها أو استقصيتها ، بيد أني عرضت
جزءاً يسيراً منها لمقارنتها بأحكام التشريع
الوضعي كمقدمة عامة . وهي لا تخلو أن
تكون فكرة عامة عن المسؤولية التي أرست
قواعدها الشريعة الإسلامية ، وسأتناول
أركانها وأحكامها بشكل عام فيما بعد ، لتكون
مدخلاً إلى مسؤولية الطبيب باعتباره
مرجعاً
تخصصياً ، يرسم سلوك الطبيب اليقظ والواجب الاتباع معززاً بالآراء الفقهية
والاجتهادات القضائية ، كل ذلك في ضوء الشريعة
الإسلامية والقانون المقارن

descriptionالمسؤولية الطبية للطبيب Emptyرد: المسؤولية الطبية للطبيب

more_horiz
القسم
الثاني



الباب الأول


مسؤولية الطبيب المدنية



مقدمة البحث


الأصل
في القانون المدني ، أنه يعتبر جميع المواطنين متساوين أمامه في
الحقوق والواجبات ، بيد أن هذه قد تطورت في
العصر الحاضر ، وأضحت فكرة المساواة
كأساس
للمعاملات مهجورة في ظل التشريعات المدنية الحديثة ، ومرد ذلك التطور أن
المركز القانوني للشخص بات يتحدد لا بالنظر
إليه مجرداً ، بل بالنظر إلى المهنة
التي
يزاولها ، وإن كانت الحوادث أبرزت هذه الظاهرة في العالم القانوني ، فإن الفقه
والقضاء قد استجابا لنداء الحوادث بتطبيق
ضوابط ضمنت لها مسايرة الاتجاه العام ،
والأفكار التي ينشدها القانون والتي تتطلبها
الحياة الاجتماعية



وبالتالي
أصبحت
فكرة
نشوء الحق واستعماله وانتهاؤه مقرونة بشخص صاحب الحق نفسه ، وما من شك في أن
التنظيم النقابي كان له الأثر الفعال في اتجاه
التشريعات الحديثة التي تناولت المهن
وأثرها على مراكز الأشخاص الذين يزاولونها،
فالمحامي والطبيب والجراح ، كلهم
يحتاجون
بحكم مزاولتهم إلى مهنهم إلى طمأنينة كبيرة وثقة في أنفسهم والى عدم شغلهم
بالتفكير في عواقب أعمالهم الفنية عن إتقان
هذه الأعمال والإقبال عليها في غير تردد
(1) .


ولئن
كان القانون قديماً لم يفرق بين الأشخاص المسؤولين عن خطئهم معتبراً
أن الأخطاء متكافئة من حيث المسؤولية
التقصيرية فوضع قاعدة عامة لسلوك الأشخاص وما
يجب أن يدفعوه من تعويض إن كان قد فعل ذلك ،
فلغة الفقهاء و المحاكم من ناحية أخرى
توحي بوجود فكرة الخطأ المهني ، ورأت المحاكم
والشراح من قديم ، أن أرباب المهن
الحرة
، وبخاصة الأطباء والجراحين ، جديرون برعاية خاصة في محاسبتهم على ما يقع من
أخطاء في مزاولة مهنتهم ، حتى لقد قيل أن
المحاكم لا تحاسبهم إلا على ما يرتكبونه
من خطأ جسيم، بيد أن هذه الفكرة جديرة بالنقد
وخاصة فيما يتعلق بمسؤولية الأطباء
والجراحين .
ولقد كان دور القضاء في
نظرية المسؤولية كبيراً أو خطيراً ، إذ لم
تقتصر مهمته على تفسير النصوص ، بل تعدته إلى
الإنشاء الحقيقي ، ذلك أن النصوص
القانونية
كانت من الضآلة بحيث لم تكن تسد الحاجة ، لو لم يتوسع القضاء في فهمها ،
ولو لم يحل محل المشرع في سد هذا النقص الذي
يتخلل ثناياها (1
).


ولقد
راعت

المحاكم أن تكون نظرية
المسؤولية من المرونة بحيث تحقق العدالة على الوجه الأكمل ،
فحققت بذلك ما سماه أحد فقهاء البلجيك
(العدالة الحقة) (2) .وليس المراد بالعدالة
الحقة هنا ما يهتدي إليه القاضي في خصوصيات
الدعاوى بظروفها من وجه الحكم بضميره
وتقديره بروح العدل والإنصاف التي فطر الإنسان
عليها ، بل المراد بها المبادئ
الأساسية
التي تحكم سلوك الأفراد والتي لها إلى حد ما صفة الثبات والاستمرار ، وهي
مبادئ مستنبطة من فقه القانون وأصوله ، فقوتها
مستمدة من الضمير الاجتماعي (3
) .


وهذا
ما حدا ببعض الفقهاء في فرنسا لأن يقولوا بوضع قانون مهني تعالج فيه
مسؤولية أرباب المهن بحسب طبيعة التزاماتهم
ونوع مهنهم ، إذ هناك بعض احتياطات مما
يغتفر للرجل العادي أن يفعلها ، أما لرجل
المهنة فإن لم يفعلها عد ذلك منه إغفالاً
لواجباته وخطأ محققاً من جانبه (1)


وليس
في ذلك ما يثير الدهشة إذ من الطبيعي أن
تنتظر من رجل المهنة أكثر مما تنتظر من الرجل
العادي ، ولقد قال ريبير بحق
:


« أن اعتبار المسؤولية المهنية إن هو إلا انتصار
للفكرة الخلقية والتنظيم الفني
للمسؤولية
على أساس خلقي »(2
).


فمزاولة
أي مهنة تفرض على صاحبها نشاطاً خاصاً ،
يكون غايته منها خدمة المجتمع ، بيد أنه قد
يكون أحياناً ضاراً لغيره ومع ذلك يجب
السماح له في بعض الأحوال رغم ما قد يترتب
عليه من أخطار ؛ فالطبيب الذي يجرب
علاجاً
جديداً لإنقاذ مريض استعصت حالته على الأصول الطبية المعروفة ، يجب أن يبقى
بمأمن من المسؤولية وإلا قضينا على روح
الابتكار والتقدم في الطب ، وفي جميع
الأحوال لا يعفى من المسؤولية إنما تختلف
مساءلته بين الخطأ الجسيم والخطأ التافه



وكل
ما يشوب المسؤولية المدنية من أفكار متضاربة ، وما ينازعها من اتجاهات
مختلفة ، مرجعه إلى الشكوك التي ساورت رجال
الفقه ، من حيث إمكان تطبيق قاعدة الخطأ
بصفة مطلقة ، أي الإقرار بالمسؤولية المهنية ،
والبعض
يرون
أن يفرضوا على الجميع
قاعدة
المسؤولية المبنية على تحمل التبعة ، مع أن مجالها يجب أن يكون مقصوراً على
بعض أرباب المهن .


وليس
أدل على دقة موضوع المسؤولية الطبية من ذلك الاحتياط
والتحفظ الذي أوجبه الفقه وأقره ، وذلك كما
وجب الخوض في تقدير أعمال الأطباء
والجراحين
للحكم عليها، ويزداد دقة كلما تعرض له رجال القانون بحضرة علماء الطب ،
إذ يعتبر هؤلاء الأطباء أن رجال القانون
بعيدون عن المعرفة بأصول فن الطب ، وهذا ما
دعاهم لأن يطالبوا بنزع قضايا المسؤولية
الطبية من اختصاص القضاء العادي ، واعتبار
النظر فيها من اختصاص الهيئات الطبية ، مما
حدا ببعضهم إلى القول



« بعدم مسؤولية الطبيب مطلقاً عن خطئه ، معللين ذلك
بأن إخضاع الطبيب للرقابة يقلل من شأنه
ويعدم قيمة شهادته الطبية ، كما أنه يضّر
بسمعة المهنة الطبية ويعطل مزاولتها (1
)» .
ولئن كنا نرى بعض العذر
للأطباء ، بما يشعرون به من حراجة واضطراب إذا ما عرض
أمرهم إلى غير الأطباء لمحاكمتهم مما ليس لهم
أي خبرة في علم الطب وفنه ، إلا أنه
مما
لا شك أنهم لا يقرون مطلقاً على عدم مساءلتهم إذا
ما أساءوا إلى مرضاهم بأخطائهم ، إذ أنه ليس من المتصور أن تقوم مهنة
الطب مع ما تبيحه للطبيب والجراح من
التصرف
في أجسام الناس ، وعقولهم وأرواحهم دون تقييدها بمسؤولية ، يخشاها المسيء ،
ويرتاح لها من أحسن عملاً منهم (1) .


والمسؤولية
الطبية لم تكن حديثة العهد ، بل
كانت
معاصرة للطب ذاته منذ أقدم العصور إلى يومنا هذا



.
وها أني أعرض لها باختصار في العصور القديمة ، وفي التشريعات
الإسلامية ، وفي التشريع المدني السوري
، والتشريع الفرنسي .



الفصل الأول


وجود المسؤولية الطبية من أقدمالعصور



أولاً ـ عند المصريين


عرف
قدماء المصريين المسؤولية الطبية فسجلوا
قواعدها في كتب لها من القدسية ، ما جعلهم
يحملونها مكرمة في الأعياد العامة (1
) .


وهكذا
نجد أن المشرع المصري قديماً لم يهمل حماية الجمهور من الأطباء وفي ذلك
يقول (ديودور الصقلي)


:
«
إن المصريين كانوا
يعالجون الأمراض طبقاً للقواعد
المقررة
التي وضعها كبار الأطباء القدامى ودونوها في السفر المقدس وكان على الطبيب
أن يسير بمقتضاها ، وعند ذلك لا يتعرض لأي
مسؤولية حتى ولو مات المريض . . أما إذا
خالفها فإنه يعاقب بالإعدام لأن المشرع كان
يرى أنه قلّ في الناس من يستطيع أن يصل
إلى وسيلة علاجية أحسن من الوسائل التي وضعها
أساطين الطب في تلك العصور
» (2)


وذكر
أرسطو في كتابه السياسة
: إن الطبيب كان يسمح له بتغيير العلاج المقرر ، إذا لم يلاحظ تحسناً في حالة
المريض على هذا العلاج ، في مدى أربعة
أيام »(1).
فإذا توفي المريض بسبب
هذا العلاج المخالف لما جاء في الكتاب المقدس
فإن الطبيب يدفع رأسه ، ثمناً لجرأته على
تضحية حياة مواطن في سبيل أمل خاطئ
.


ثانياً ـ عند الآشوريين


وكان
الطبيب الآشوري إذا أخطأ أو لم ينجح في
علاج مريض ، يلتمس لنفسه العذر من الإدارة
العليا للآلهة ، ويدل ذلك بوضوح على أنه
يسأل عن خطئه .


ثالثاً ـ عند البابليين


إن
البابليين كانوا يتميّزون
بالتشديد
في معاملة أطبائهم، حتى أنه لم يكن يخلو من الخطر على الطبيب البابلي أن
يبدي رأياً في مرض ، أو يحاول له علاجاً ،
ويؤيد ذلك النصوص الواردة في شريعة
حمورابي
(1792-1750 ق.م) (1) .ترجمة صديقنا الدكتور عبد الرحمن الكيالي في صفحة
(83)


إذ
نصت المادة /218
إذا
عالج الطبيب جرحاً بليغاً أصيب به رجل
(بمبضع
معدني) وسبب موته أو إذا شق ورما بمبضع جراحي معدني وعطل عين الرجل تقطع
يداه » .
ونصت المادة /219/ : إذا عالج طبيب عبد رجل من عامة الشعب بمبضع جراحي معدني وسبب موته من الجرح عليه أن يعطي
سيده عبداً بعبد

» .
ونصت المادة /220/ : إذا شق الطبيب الورم بمبضع معدني جراحي وعطل
عين المريض يدفع نصف قيمة
العين
فضة
»
.
ولا عجب من هذا التشدد
أن يقول (هيردوت) ، بعد ثمانية عشر قرناً من
ذلك التاريخ : أنه لم يكن هناك أطباء في بابل » .


رابعاً ـ عند اليهود


أما
عند اليهود فلم يسمح للطبيب أن يمارس مهنته إلا بعد أخذ إذن بذلك من مجلس
القضاء المحلي (1) .


وقد
نص في التلمود على أنه
من
حيث أن الطبيب قد أعطى
له
الإذن لأن يعالج ومن حيث أن عمله فيه جانب الخير ،
(قصد
الشفاء) فلا محل لأن
يخشى
الإقدام على العلاج ، طالما أنه سائر على أصول المهنة على قدر تفكيره »(2
) .


ويفهم
من ذلك أنه يكون مسؤولاً إذا لم يقصد من عمله شفاء المريض أو إذا خالف
أصول المهنة ولكنه لم يكن يسأل عما يحدث نتيجة نقص في
كفايته والمفهوم
بالاستنتاج
العكسي ، أن المعالج غير المصرح له يسأل عن الأضرار التي تحدث نتيجة
علاجه ، بل أن مثل هذا المعالج يسأل عن هذه
الأضرار ولو عمل بغير أجر



خامساً ـ عند الإغريق


أما
عند الإغريق فقد كانت الجزاءات التي توقع على الأطباء إما أن
تكون أدبية أو مادية فقد كتب أفلاطون : أن الطبيب يجب أن يخلى من كل مسؤولية إذا مات المريض رغم إرادته » (1 . يمكن أن يستنتج من ذلك : أن الطبيب يسأل في حالة ما إذا لم يعن بمريضه العناية الواجبة ،
والواقع أن الطبيب عند الإغريق كان
يسأل
مسؤولية الطبيب المصري القديم ، ولو أنه كان يترك له شيء من الحرية في علاجه
(2).


روى
بلوتارك

plutark
كيف أن الاسكندر الأكبر
، أمر بصلب الطبيب غلوكيس
Glaucus في الاسكندرية لأنه ترك صديقه افستيون Hephaestion وكان قد أصيب بالحمى، فنصحه
بالصوم عن الطعام بيد أن أفستيون خالف نصيحة الطبيب وجلس إلى المائدة وأكل
وشرب حتى شبع فمات (3).


هذا
الفعل يدل بلا ريب على اتجاه التفكير في هذا العصر
، بيد أن أفلاطون كان
يشكو من عدم الرقابة على الأطباء فيقول
: إن الأطباء يأخذون
أجرهم سواء شفوا المرضى أو قتلوهم
» . وهم
والمحامون يستطيعون أن يقتلوا
عملاءهم
دون أن يتعرضوا لأية مسؤولية (1
) .
وخلاصة القول أن الطبيب
في بلاد
الإغريق
كان

يسأل جنائياً في أحوال
الوفاة التي ترجع إلى نقص خطأ غير النقص في
كفايته .


سادساً ـ عند الرومان


أما
عند الرومان فكانوا يعتبرون الإنسان
مسؤولاً
عن الأضرار التي يسببها الآخر في ماله ، أو في شخصه ، وكانوا يفرقون بين
الأضرار Damnum وهو إتلاف مال الإنسان عمداً ، أو نتيجة إهمال أو خطأ ، وبين الإيذاء Injuria ويقصد به الأذى الذي يوجه إلى شخص الإنسان ، تمييزاً له عن التلف الذي يلحق بالمال وهذا مستمد من قانون أكوبليا Acquilia الصادر عام /287/ قبل الميلاد وهو القانون الخاص بجرائم الأضرار بأموال الغير , ومن رقيق
وحيوان
وديون،
سواء أحدث الأضرار عمداً ، أو بغير عمد عن طريق الخطأ أو الإهمال ، وكان
يحكم على مرتكب الأضرار بموجب هذا القانون
بالتعويض مع الغرامة أو بدونها حسب
الظروف


وكان
بمقتضى هذا القانون يعتبر خطأ موجباً للتعويض للجهل وعدم المهارة
.
وكان الطبيب يعتبر
مسؤولاً عن التعويض إذا لم يبد دراية كافية في إجراء عملية
لرقيق ، أو إعطائه دواء فمات به ، أو إذا تركه
بعد العلاج (1
)



وكان
قانون

(
كورنيليا) يميز في
العقاب الذي يوقع على الطبيب الذي يرتكب جريمة من الجرائم التي
ينص عليها طبقاً لمركزه الاجتماعي فقد نص أنه :
«
إذا نجم عن دواء أعطي
لأجل

إنقاذ الحياة ، أو
للشفاء من مرض ، أن توفي الذي أعطى إليه هذا الدواء ، ينفي
المعطي في جزيرة ، إذا كان من طبقة راقية ،
ويعدم إذا كان من طبقة وضيعة



بيد أنه بعد تقدم المدنية عند الرومان ، تمتع
الأطباء بنوع من الحصانة تكاد تكون تامة
من العقاب عن الأضرار التي تحدث نتيجة
علاجاتهم ، وذلك بسبب الطبيعة التخمينية
لمهنة الطب ، وقد سلم القانون الروماني بهذه
الطبيعة حيث يقرر أنه
:
«
إذا كان حادث الموت لا يصحّ أن ينسب إلى الطبيب فإنه
يجب أن يعاقب على الأخطاء التي يرتكبها
نتيجة جهله ، وأن من يغشّون أولئك الذين
يكونون معرضين للخطر ، لا يصح أن يخلوا من
المسؤولية بحجة ضعف المعارف البشرية » (1) .



الفصل الثاني


المسؤولية الطبية في العصور الوسطى


لم
يكن هذا العصر عصر الفتن والحروب فحسب ، بل كان عصر
المجاعات والأوبئة ولم تعرف أوربا في ذلك
العهد شيئاً عن النظام الصحي ، ولما سقطت
روما في عام /476/ في أيدي القبائل المتبربرة
عمت الفوضى ، وانحلت الرابطة ، التي
كانت
تجمع أقسامها المختلفة ، وقضى على كثير من معالم حضارتها بعد أن ظلت مدة صاحبة
السلطان في كل من جنوبي وغربي أوربا ، وأضحت
البلاد متنازعة بين قوم همج ، لا عهد
لهم بأساليب الحكومات المنظمة ، وساد أوربا
بعد ذلك نظام الإقطاع ؛ في هذه العصور
المظلمة لا يمكن أن تنصرف أذهان الناس إلى
الطب ، بل ضاعت كتب (إيفراط وجالينوس
) وظهرت
كتب التعاويذ والدجل ، حتى أن الأمبراطور شارلمان (868-824) على ما عرف عن
عصره بالإصلاحات الواسعة لم يأمر بتعليم الطب
للشبان إلا في أواخر أيام حياته عندما
أحس بشيخوخته (1)


أولاً ـ في القانون الكنيسي


بيد
أن نظام الكنيسة
الذي
لم تمسه أيدي الغزاة استطاع أن يحول دون القضاء على البقية الباقية من حضارة
الرومان ، فقد كان رجال الكنيسة بحق ، على
درجة من التقدم والرقي ، تدعو إلى
الاحترام
ومع هذا فلم يكن للمسيحية نفسها أثر يذكر ، في تحسين الناحية الطبية ، بيد
أن القانون الكنسي عني بالشروط التي تباح
لمزاولة المهنة على مقتضاها . على أن
العصر على ما فيه من تأخر ، عرف المسؤولية
الطبية بما يتفق وهذا التأخر ، فكان عند
(القوط
الشرقيين) إذا مات المريض بسبب عدم عناية الطبيب ، أو جهله ، يسلم الطبيب
إلى أسرة المريض، ويترك لها الخيار ، بين قتله
، أو اتخاذه رقيقاً ، أما عند (القوط
الغربيين) فإنهم يعدون الأتعاب التي تعطي
للطبيب مقابلة الشفاء، فإذا لم يشف المريض
، اعتبروا العقد غير
منفذ ، وبالتالي لا يحق للطبيب مطالبة المريض ، أو ورثته
بالأجرة .
وكتب زاكياس zachias عن الأخطاء الطبية التي يعاقب عليها القانون الكنسي , وفرّق بين الإهمال والجهل والتدليس ،
(أو سوء النية) وميز بين الخطأ
اليسير
جداً ،
Clupa levissima والخطأ اليسير Clupa levis والخطأ الجسيم Clupa Lata والخطأ الجسيم جداً Clupa Latoir والخطأ الأكثر جسامة Clupa Laissima وقدّر لكل واحدة
منها عقاباً خاصاً، مستمداً من القانون الكنسي ، أو من القانون الوضعي أو
منهما معاً (1) .
أما عن أخطاء الأطباء
المعاقب عليها : فإن الطبيب لا يسأل عن
وفاة المريض ، إذا لم يثبت حصول خطأ منه . فالخطأ لا يفترض إذا مات المريض 0


أما
عن ناحية إهمال الطبيب فالمسؤولية فيه مفترضة ، إذا أبطأ في الأمراض
الخطيرة والمستعجلة ، وكان إبطاؤه سبباً في
تأخر وصف الدواء ، أو أنه وصف دواء غير
ناجع ، أو أجل الفصد ، أو لم يفصد بالقدر
الكاف ، أو اكتفى بدلاً منه بالحجامة أو
نحو ذلك .


ثانياً ـ في عهد الصليبين


وكانت
محاكم بيت المقدس تحكم في عهد
الصليبيين
في القرنين الثاني عشر والثالث عشر ، بأن الطبيب مسؤول عن جميع أخطائه
وجميع إهمالاته ، فإذا توفي الرقيق بسبب جهل
الطبيب فإنه يلتزم بدفع ثمنه لسيده ،
ويترك المدينة ، أما إذا كان المجني عليه حراً
، وكانت المسألة تتعلق بجرح بسيط أو
سوء
عناية لم يترتب عليه الموت ، تقطع يد الطبيب ، ولا تدفع أتعابه، أما إذا مات
المريض فيشنق الطبيب .


هذه
القساوة دعت الأطباء في كثير من الأحيان ، أن يحجموا
عن التطبيب ، أو يشترطوا شروط عدم المسؤولية ،
كما حصل فيما رواه (غليوم دي تير
) :
من أن الملك (آموري
الأول) من ملوك أورشليم (1162-1173) أصيب بمرض خطير ، ولكن
الأطباء من أهل البلد ، رفضوا أن يعالجوه ،
فلجأ إلى الأطباء الأجانب فاشترطوا عليه
أن يعدهم بعدم ترتيب أي عقاب عليهم في حال عدم
نجاحهم (1
)
.




الفصل
الثالث


المسؤولية الطبية بين الشريعة
والقوانين
الوضعية



مما
لا شك فيه أن
القوانين
الوضعية تتفق مع الشريعة الإسلامية في اعتبار التطبيب عملاً مباحاً ، كما
تتفق مع الشريعة ، في الشروط التي تمنع من
المسؤولية ، فتستلزم أن يكون الفاعل
طبيباً
، وأن يأتي الفعل بقصد العلاج وبحسن النية، وأن يعمل طبقاً للأصول الفنية ،
وأن يأذن له المريض في الفعل .


وتعتبر
القوانين الوضعية التطبيب حقاً ، بينما
تعتبره الشريعة واجباً ، ولا شك أن نظرية
الشريعة أفضل ، لأنها تلزم الطبيب بأن يضع
مواهبه في خدمة الجماعة ، كما إنها أكثر
انسجاماً مع حياتنا الاجتماعية القائمة على
التعاون والتكاتف ، وتسخير كل القوى لخدمة
الجماعة



وقد
اختلف شراح القوانين ،
ورجال
القضاء في تعليل ارتفاع المسؤولية عن الطبيب (1
) .


فذهب
الفقه والقضاء إلى
أن
عدم المسؤولية هو رضاء المريض بالفعل ، وأخذ بهذا الرأي بعض الشراح في ألمانيا ،
وفرنسا ، وحكمت به المحاكم في فرنسا ومصر
قديماً (1) ، وذهب كثير من الشراح
الفرنسيين
إلى أن سبب ارتفاع المسؤولية ، هو انعدام القصد الجنائي ، لأن الطبيب
يفعل الفعل بقصد شفاء المريض ، وقد أخذ القضاء
المصري وقتاً ما بهذا الرأي(2
) .


والرأي
الأخير الذي يسود اليوم في سورية ومصر وفرنسا هو
: أن
التطبيب عمل
مشروع
تبيحه الدولة وتنظمه وتشجع عليه ،لأن الحياة الاجتماعية تقتضي ذلك ، وهذه
التعليلات على اختلافها هي نفس التعليلات التي
ذكرها الفقهاء الإسلاميون ، بعدم
مسؤولية
الطبيب إذا أدى عمله إلى نتائج ضارة بالمريض وكان متقيداً بالأصول الفنية
.
وها إننا سنقوم ببحث
المسؤولية الطبية في العصور الحديثة وفقاً لنصوص القانون
المدني في سورية وفرنسا


خضوع المسؤولية الطبية لنصوص القانون المدني


بعد
أن

استعرضنا المسؤولية
الطبية في العصور القديمة، بقي علينا أن نبحثها في تشريعنا
الحديث في سورية وفي فرنسا


ففي
سورية لم تكن المسؤولية الطبية معروفة ، على
الشكل الذي نراه الآن ، إنما كانت أحكامها
مستمدة ومستندة إلى التشريع الإسلامي على
الوجه الذي شرحناه ، باعتبار أن القضاء المدني
في سورية كان قضاء شرعياً ، مستمداً
أحكامه
من الشريعة الإسلامية (قسم المعاملات



) وعندما خضعت سورية للحكم العثماني ، صيغت القواعد الشرعية في تقنين خاص
، سمي بمجلة الأحكام العدلية ، وهي
عبارة
عن قواعد قانونية ، صيغت على شكل مواد ، تضمنت بعضها أحكام المسؤولية بشكل
عام ، مثلاً كالمادة /19/ : « لا ضرر ولا
ضرار» والمادة /20/ : « الضرر يزال
» والمادة
/92/ : « المباشر ضامن وإن لم يتعمد » ...الخ
.
وبقيت أحكام المجلة
سارية
المفعول
، إلى أن تم الانقلاب الأول في سورية عام /1949/ حيث صدر القانون المدني
الحاضر ، المأخوذ عن القانون المصري ، والمشتق
بدوره من القانون الفرنسي . وعلى
الرغم
من حداثة القانون المدني السوري فقد جاء أيضاً خالياً من نصوص خاصة
بالمسؤولية الطبية، شأنه في ذلك شأن المشرع
الفرنسي الحديث، الذي لم يخالف ما كانت
عليه الحال في التشريع الفرنسي القديم ، حيث
كانت المسؤولية للرجال الفنيين عموماً
LA responsabilité professionnelle خاضعة للقواعد العامة للمسؤولية المدنية .
وقد ورد في مؤلف دوما Domat أن مبادئ المسؤولية تطبق في التشريع المدني ، تطبيقاً عاماً شاملاً ، لما يقع من الأفعال من
الحياة العادية ، ولما يقع في مزاولة
المهن المختلفة ، بل ولما يقع من الموظفين
العموميين ، ثم خص ما يقع من أرباب المهن
والموظفين بالذكر ، فاعتبرهم مسؤولين لا عما
يقع منهم من إهمال أو رعونة فحسب ، بل
عما يرتكبونه بسبب جهلهم.


ودوما
هذا هو الذي أوحى إلى واضعي المجموعة المدنية
الفرنسية المواد /1382/ وما بعدها من تلك
المجموعة (1) وهي المواد التي تنظم
المسؤولية
التقصيرية

Responsabilité déléctuelle
في ذلك التشريع ، ومنها استمد المشرع المصري المواد المقابلة لها ، وهي
المواد (151) وما بعدها وقد تبناها المشرع
السوري الحديث ، في المواد (164) وما بعدها من
القانون المدني وأهم ما تتميز به هذه
النصوص أنها كانت لا ترتب مسؤولية إلا على
أساس خطأ المسؤول , وكان على المصاب
إثبات
هذا الخطأ ، فهي تشمل كل خطأ صادر عن الإنسان ، أضر بالآخرين مهما كان وضعه
أو مهنته ، لا فرق بين الطبيب وغير الطبيب ،
وهي تتناول الفعل السلبي ، كما تتناول
العمل الإيجابي ، وتنصرف إلى مجرد الإهمال ،
أو الفعل القصدي ، والقانون المدني
الفرنسي
في مادتيه (1382-1383) ذهب نفس ما ذهب إليه القانون السوري إذ نصت المادة
/1382-1383/ على ما يلي :



art : 1382 «tout fait quelconque de l’homme ,qui cause à autrui un dommage
,oblige celui par la faute duquel il est arrivé ,
à le réparer
art : 1383 , «Chacun est responsable du dommage qu’il acausé non seulement par
son fait mais encore par négligence ou par son imprudence
وترجمتها


المادة
/1382/ : « كل فعل سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بخطئه
بتعويضه » .
المادة /1383/ : « كل
إنسان مسؤول عن الضرر الذي يسببه لا بفعله ،
وكذلك الناجم عن إهماله أو عدم احترازه "


يراجع
في تطبيق هذه المواد قرار
محكمة
النقض الفرنسية الغرفة المدنية الصادر في 29/تشرين الثاني /1920 دالوز الزمنى
1924-1-103 . وقد بقيت المسؤولية الطبية في فرنسا خاضعة
لنصوص هذه المواد ، حتى في
الحالة
التي يكون العلاج قد حدث باتفاق بين المريض أو نائبه ، وبين الطبيب ولم يعدل
عن هذا الحكم إلا من عهد قريب (1) .
أما في مصر وسورية فلا
يزال القضاء والفقه
مصرين
على اعتبارها مسؤولية تقصيرية في جميع الأحوال حتى في حالة وجود الاتفاق بين
المريض والطبيب أي في حالة ما يختار المريض
طبيبه وهي الحالة الأكثر شيوعاً وسنبحث
هذا في حينه في موضع آخر من هذا الكتاب

descriptionالمسؤولية الطبية للطبيب Emptyرد: المسؤولية الطبية للطبيب

more_horiz
الاتجاه العام للمسؤولية المدنيةفي العصر الحديث



أولاً ـ أثر العامل الاقتصادي والسياسي في هذا الاتجاه :


لقد بقيت المسؤولية الطبية في القانون الفرنسي
القديم من حيث المبدأ كما هي
،بيد أن التطور الحديث ، قلب قواعد تلك المسؤولية على
عقب ، ويمكن رد ذلك إلى
عاملين
أساسيين

:



الأول
: العامل الاقتصادي ومرده النهضة الصناعية
.


والثاني : العامل السياسي ومرده النـزعة الديمقراطية.


حيث
أخذت قضايا المسؤولية تبعاً
لهذين
العاملين، تتضاعف وازداد البحث والجدل حول موضوعات المسؤولية ، فأصبحت هذه
الموضوعات في أقل من نصف قرن ، في طليعة
المسائل التي تشغل المحاكم ، وتملأ مجموعات
الأحكام ، ففازت بذلك بأوفر نصيب من بحوث أساتذة
القانون ، والمشتغلين به، حتى
وصفها
العلامة (جوسران) بأنها أصبحت محور القانون المدني، وبالتالي محور القانون
كله (1) .


وأهمية
موضوعات المسؤولية في الواقع ترجع إلى العاملين الأساسيين
الذين ذكرناهما .


فمن الناحية الاقتصادية


نجد
أن النهضة الصناعية الكبرى
التي
انتشرت في أوربا في النصف الأخير من القرن الماضي مردها خاصة إلى ما يلي



آ
) ـ شيوع استعمال الآلات الزراعية والميكانيكية والكهربائية في جميع نواحي
النشاط الإنساني ، وما صاحب ذلك من ازدياد عدد
الحوادث الضارة

.




ب) ـ النزعة المادية التي اجتاحت العالم ، نتيجة لرواج
الصناعة والتجارة وزيادة الأرباح ، وتضخم
الثروة ، بحيث زادت المرء شعوراً بالتمسك
بحقوقه ، وعدم احتمال أي ضرر يلحق به ،
دون أن يبحث عن شخص يحمله هذا الضرر، ويطالبه
بالتعويض عنه

.
وهكذا تمسك المرء بسلامته وبالدفاع عن نفسه ، وماله، فأقلع عن
الإذعان للقدر ، وازداد تشبثاً بحقه ،
أو ربما يتوهم أنه من حقه في تعويض أي ضرر
مادي أو أدبي

.



فالرجل
إذ تزل قدمه ،
فيسقط
في حفرة في طريق عام ، أو في بهو عام (1) أو يصطدم في الطريق بستار واق ،
معلق أمام متجر ، سرعان ما يهرع إلى القضاء
ملقياً تبعة ما أصابه من ضرر على أصحاب
المحل العام ، أو المتجر ، أو البلدية،
مطالباً إياهم بتعويض ذلك الضرر الذي أصابه



ج)
ـ شيوع التأمين على المسؤولية مما أدى إلى زيادة عدد الحوادث الضارة ،
نتيجة لاعتياد المؤّمن الإهمال ، والتهاون في
استعمال الآلات ، اعتماداً منه على
ذلك
التأمين

.




أما من ناحية العامل السياسي


فقد
حققت انتشار الديمقراطية
وما
تنطوي عليه من حكم الأكثرية من العطف على عامة الشعب ، إذ كان من شأن ذلك إيصال
التعويض إلى المضرور ، لا سيما وأن اختيار
السلطة التشريعية والتنفيذية يرجع إليها



كل
هذه الأسباب التي أظهرت قصور التشريع القديم ، مما اضطرت معه المحاكم ، في
سبيل تلافي هذا النقص إلى استنباط الحلول
المختلفة ، فتألقت بذلك مبادئ وقواعد ،
غيرت وجه المسؤولية وحدودها التي رسمها
القانون ، وهي لا تزال سائرة في طريقها ،
تحت ضغط الحاجات المستجدة ، مثبتة بذلك أن
القانون ، وليد البيئة والحاجة ، وأن
النصوص عاجزة عن تقييده ، لأنه حي ، ينمو
ويتطور بتطور الجماعة (1
).


وأظهر
هذا

التطور ، أن الفقه
والقضاء كان هدفه أن يوصل التعويض إلى المضرور ، بأي طريق كان ،
فبعد أن كانت المسؤولية المدنية تقوم على أساس
عنصر الخطأ ، وهو العامل الشخصي ،
تبعاً
للنظرية الشخصية

(théorie subjective )
أدركوا أن فكرة الخطأ مع هذا التطور ، أضحت آخذة بالضعف شيئاً فشيئاً ، واختفت تارة
تحت ستار الخطأ المفروض ، والقابل
لإثبات
العكس ، وتارة أخرى تحت ستار الخطأ المفروض الغير قابل لإثبات العكس ، إلى
أن اختفت أخيراً هذه النظرية ، وحلت محلها
نظرية تحمل التبعات المستحدثة
théorie des risques crées أو النظرية الموضوعية théorie objective هذه النظرية تقوم على أساس
الضرر لا على الخطأ



وهكذا
تضافر الفقه و القضاء في فرنسا ، على استنباط
الوسائل التي من شأنها أن تخفف من شدة وطأة
قاعدة تنظيم عبء الإثبات وتعددت الوسائل
وفقاً للحاجة إليها ، وللظروف الملابسة لها


وكان
من هذه الوسائل ، التوسع في
تفسير
النصوص التي أنشأت قرائن قانونية ، تجعل الخطأ في بعض الأحوال يعتبر ثابتاً ،
لأن التعويض أضحى بنظر القضاء والفقه وسيلة
لإعادة التوازن بين ذمتين ماليتين ، ذمة
المصاب ، وذمة المتسبب في الضرر ، وبالتالي
تقضي بإقامة التوازن بينهما ، على أساس
الغرم بالغنم ؛ وقد أيد المشرع هذه النظرية
الموضوعية ، في قانون إصابات العمال ،
ومسؤولية الإنسان عن الأشياء الجامدة. بيد أن نصوص القانون السوري ، والمصري ما كانت لتسمح بخلق مثل هذه القرائن القانونية ،
لافتراض الخطأ في حالة المسؤولية عن
الأشياء
الجامدة ؛ إلا أن القضاء على حد تعبير السنهوري باشا الفقيه المصري (قد
أصبح الفرق بينه وبين القضاء الفرنسي في هذا
الشأن ، أقرب إلى أن يكون فرقاً
نظرياً،
منه فرقاً عملياً فهو يتشدد في إلزام من يكون الشيء في حراسته، باليقظة
والانتباه ، ثم هو يتساهل في تخفيف عبء
الإثبات على المصاب ، فهو في الواقع من
الأمر يستبدل بالقرينة القانونية ، التي
يقيمها القضاء الفرنسي ، قرينة قضائية
يستخلصها من وقائع الدعوى) (1) .


وهكذا
من خلال هذه الاعتبارات و إلى جانب ما
نال الطب من تقدم عظيم ، نرى أن نبحث مسؤولية
الطبيب من خلال هذه الاتجاهات التي
ذكرناها .


نصيب مسؤولية الأطباء والجراحين من ذلك الاتجاه العام :


تكلما
فيما سبق عن التطور الذي أصاب المسؤولية المدنية والآن يجدر بنا أن نبحث
ما إذا كان قد أصاب هذا التطور المسؤولية
الطبية أم لا ؟ وهل إن القاضي قد سلك في
علاج المسؤولية الطبية ، نفس الاتجاه الذي
سلكه في المسؤولية المدنية ؟ وهل إن
القاضي
كان رائده عند بحثه المسؤولية الطبية ، التفتيش عن طريقة إيصال التعويض إلى
المريض ؟ أي هل اعتبر أن الخطأ مفروض، وإن كل
ضرر يصيب المريض يجب التعويض عنه،
ملتمساً
في تحقيق ذلك مختلف القرائن القانونية أوالقضائية؟



لا
شك إن التطور
الذي
أصاب المسؤولية المدنية ، لم يصب المسؤولية الطبية ! لأن العوامل التي أدت إلى
هذا التطور في المسؤولية المدنية ، لم ينتج
أثرها
في
المسؤولية الطبية ، كما إن
تقدم
الطب ورقيه ، ما كان أيضاً ليسمح ، بأن يكون الطبيب أشد تعرضاً للمسؤولية
الطبية ، وإلا لو صحّ هذا لفقد عنده عنصر
الطمأنينة والحرية ، اللازمتين للطبيب في
مزاولة مهنته ، ولأوقف نشاطه ، في بذل كل
محاولة في سبيل خير المرضى ، فضلاً عن إن
النظم الديمقراطية ، ما كانت لتقف بجانب
المرضى على حساب الأطباء ، خصوصاً وإن
المهن الطبية لها من تضامنها ، في اتحاداتها
ونقاباتها ما يكفل حمايتها ، أضف إلى
ذلك أن أعمال الطبيب لا يستطيع أن يقدرها ، أو
يحكم على صحتها ، إلا عن طريق طبيب
آخر
، لهذا فلم يستطع القضاء أثقال كاهل الأطباء بالتعويض ، لأن القضاء نفسه بحاجة
إليهم ، لتقدير المسؤولية إلى جانب ذلك ، نجد
أن الطبيب نفسه ، يدافع محافظة على
مهنته
وسمعته ، يكون أشدّ حرصاً على عدم اقتراف أي مسؤولية بهذا الدافع ، لا بدافع
الخوف من التعويض .
لكل ما ذكرناه فقد
اتجهت المسؤولية الطبية اتجاهاً إن لم يكن
مضاداً لاتجاه المسؤولية العادية فهو أقرب إلى
التوفيق ، بين المصالح المختلفة منه
إلى
تغليب مصلحة المصاب ، هذا الاتجاه هو تحقيق التوازن بين صالح الطبيب وصالح
المريض ، مصلحتان لا تعارض بينهما ، بل هما
متضامنتان ، إذ أن إثقال كاهل الطبيب
بالمسؤولية ، يشل نشاطه في العلاج ، فيعود على
مريضه بأبلغ الضرر ، كما أن إعفاءه
من
تبعة تقصيره يفقد المريض ثقته في المهنة الطبية ، ويحطّ من مستواها ، ويحرم
الأطباء من مصدر رزقهم ، لهذا وجب التوسط في
التقدير ، بحيث تكفل قواعد المسؤولية
الطبية اطمئنان كل من الأطباء والمرضى(1) وهذا
ما سنبحثه في حينه



البابالثاني


المسؤولية الطبية



الفصل الأول


طبيعة مسؤولية الطبيب



في توصيفالمسؤولية الطبية


اختلفت
الاتجاهات الفقهية والقانونية حول نوع المسؤولية
التي تنال الطبيب إزاء مريض التزم بمعالجته ،
فهل هي مسؤولية تقصيرية أم مسؤولية
عقدية
؟



فالرأي
عند معظم العلماء أن هذه المسؤولية عقدية مردها إلى وجود العقد
المبرم بين الطبيب والمريض ، وبهذا فإن الطبيب
يلتزم نتيجة مسؤوليته عما أصاب مريضه
من ضرر دون حاجة أن يثبت المريض أو ذووه خطأً
معيناً صادراً عن الطبيب، وإنما يكفي
أن يبين هؤلاء أن حالة المريض قد ساءت وصحته
تدهورت ، فإن أثبتوا ذلك كان الطبيب
مسؤولاً
عن الضرر الذي لحق المريض ، إلا إذا أثبت الطبيب خطأ المريض ، بمعنى أن
حالته تدهورت بتداخله ، وامتناعه عن اتباع
ارشادات الطبيب أو نتيجة قوة قاهرة (1
) .


على
أن الآخرين يرون أن مسؤولية الطبيب ليس عقدية، وهي مسؤولية خطئية تقوم على
الخطأ أو تقصير صدر من الطبيب وعبء الإثبات
بصدور الخطأ من جانب الطبيب يقع على
المريض
أو على ذويه (1
)
.



والقضاء
الفرنسي ذهب إلى الأخذ بهذا الرأي إذ اعتبر أن
مسؤولية الطبيب مسؤولية خطئية (2) .


لأن
الأصل أن الطبيب يلتزم قبل مريضه ببذل
عناية لا بتحقيق غاية ، بمعنى أنه لا يضمن
لمريضه السلامة والشفاء ، فيصف له العلاج
بما يرجو أو يتوقع له الشفاء ، وتبعاً لذلك
فلا يعتبر الطبيب مخلاً بالتزامه إذا ما
ساءت حالة المريض ، إنما يجب أن يقوم الدليل
على أن ما أصاب المريض من سوء كان
نتيجة
تقصير صدر من الطبيب ، وهذا لا يكون مقبولاً إلا إذا أسند إلى الطبيب نوعاً
من أنواع الخطأ والتقصير (3) .


وهذا
يدعونا إلى القول أن المسؤولية بنوعيها
تقصيرية كانت أو تعاقدية ، لا بد لها من وجود
عنصر الخطأ ، بيد أن الخلاف في إثبات
هذا الخطأ ، وعلى من يقع عبء الإثبات على
الدائن أم على المدين ؟ وهذا ما أثار
الجدل في مسؤولية الأطباء ، وأدى إلى انقسام
الفقه والقضاء كما ذكرنا ، في مدى وقوع
هذه المسؤولية ، فرجال الفن من أطباء وصيادلة
ومهندسين ومحامين وغيرهم ، قد يخطئون
أثناء مزاولة مهنتهم .
فالطبيب قد يخطئ أثناء
تشخيصه المرض ، وأثناء علاجه
للمريض
، أو هو يقوم بعملية جراحية ، كما قد يخطئ الصيدلي في تركيب الدواء ، وكذا
المهندس أثناء التصميم الهندسي قد يخطئ ،
والمحامي قد يخطئ أيضاً في القيام
بإجراءات
التقاضي ومراعاة المدد المقررة لذلك ؛ كل هؤلاء يخضعون في خطئهم إلى
المسؤولية المدنية ، سواء أكانت مسؤولية عقدية
أو مسؤولية تقصيرية



فإذا
باشر

الطبيب علاج مريض في
ظروف عادية ، فالغالب أن يكون ذلك بناء على اتفاق بينهما ،
فأول ما يلفت النظر في هذا الشأن أن مسؤولية
هؤلاء الفنيين هي في أكثر الأحوال
مسؤولية
عقدية لا مسؤولية تقصيرية ، لأنهم يرتبطون مع عملائهم في تقديم خدماتهم
الفنية بعقود (1)


ولكن
ما هي صفة هذا الالتزام ؟ هل هو التزام ببذل عناية
obligation de moyens أو أنه التزام بتحقيق غاية obligation de resultat ليس من المعقول مطلقاً أن يكون محل العقد حياة
الإنسان ، إذ لا يستطيع أي طبيب أن يعد
بنتيجة مؤكدة بشفاء المريض ، وعدم وفاته ،
وعلى هذا نجد أن التزام الطبيب تبعاً
لعقد العلاج إنما هو التزام ببذل عناية لا بتحقيق غاية، وهذا ما أقرته محكمة النقض المصرية بقولها:» « إن مسؤولية الطبيب
الذي اختاره المريض أو نائبه لعلاجه
» « هي
مسؤولية عقدية، والطبيب وإن كان لا يلتزم بمقتضى» « العقد الذي ينعقد بينه وبين
مريضه بشفائه ، أو بنجاح»
«
العملية التي يجريها له
، لأن التزام الطبيب ليس
التزاماً»
«
بتحقيق نتيجة وإنما هو
التزام ببذل عناية (1
) ».
وبهذا نجد أن الطبيب قد يتعهد قبل عميله ببذل عنايته وجهده
لتخفيف آلام المريض وعلاجه ، وفي هذه
الحالة يكون محل الالتزام فعلاً مشروعاً ، وقد
أقرت المحاكم في فرنسا وجود العقد
الطبي
منذ القدم ، وكان هذا الإقرار بخصوص مطالبة الطبيب بأتعابه ، وقد قضت محكمة
النقض الفرنسية منذ أكثر من قرن باعتبار
المريض ملزماً بأتعاب الطبيب التزاماً
تعاقدياً(2).


أما
التزام الطبيب بالعلاج ، فالإخلال به يترتب عليه مساءلة الطبيب
طبقاً لقواعد المسؤولية العقدية ، غير أن
المحاكم في فرنسا لم تأخذ بذلك بل ظلت إلى
ما بعد انقضاء الثلث الأول من القرن الحالي ،
تعتبر مسؤولية الطبيب عما يقع فيه من
خطأ أو إهمال في علاج المريض مسؤولية تقصيرية
، تتطلب من المريض إثبات خطأ الطبيب
(1) .


وقد
عرض في عام /1833/ على محكمة النقض الفرنسية موضوع مسؤولية الأطباء
فأقرت مبدأ المسؤولية معتبرة في المادتين
/1382-1383/ ذواتا تطبيق عام شامل ، وكان
المفهوم بطبيعة الحال إنها اعتبرت بذلك
مسؤولية الأطباء مسؤولية تقصيرية (2
) .


أما
الشراح فقد بدأوا منذ مطلع القرن الحالي إلى تكييف المسؤولية الطبية بأنها
مسؤولية عقدية ، مصدرها الاتفاق بين الطبيب
والمريض أو نائبه ، وتوقعوا أن المحاكم
لا بد آخذة برأيهم ، وفعلاً تم ما توقعوه ،
ففي عام /1936/ عرض على محكمة النقض
الفرنسية
قضية ، كانت تدور حول تعيين المدة التي تتقادم بها دعوى مسؤولية الطبيب ،
الناشئة عن إهماله في العلاج ، إهمالاً يقع
تحت طائلة قانون العقوبات ، أي أهي مدة
التقادم (الجنحوى ثلاث سنوات) فيؤدي بالتالي
إلى اعتبار المسؤولية تقصيرية ؟ أم هي
مدة التقادم المدني (وهي ثلاثون سنة) كما تقضي
به قواعد المسؤولية التعاقدية ؟ وكان
يترتب على ذلك نتيجة عملية ، هي قبول دعوى
المسؤولية ، المرفوعة بعد انقضاء ثلاث
سنوات على الإهمال المنسوب إلى الطبيب أو عدم
قبولها



وأخيراً
قضت المحكمة في

20 (
مايس) 1936 باعتبار
مسؤولية الطبيب مسؤولية عقدية ، لا تسقط بسقوط الدعوى
العمومية واستقر القضاء الفرنسي بعد ذلك نحو
هذا الاتجاه الجديد
.
أما في القضاء المصري الذي أخذ عنه القضاء السوري منذ عام
(1949) فقد اعتبر مسؤولية الأطباء
مسؤولية
تقصيرية، وأكدت ذلك المحكمة العليا في 27(حزيران) 1936 أي في نفس العام
الذي صدر فيه الاجتهاد الفرنسي ، حيث قالت: إن مسؤولية الطبيب هي مسؤولية تقصيرية بعيدة كل البعد عن المسؤولية
التعاقدية » (1
)
.



أما
في سورية فلم تكن
هناك
أحكام جديرة بهذا الشأن، إنما كانت المسؤولية الطبية تطبق عليها الأحكام
العادية للمسؤولية على الوجه الذي ذكرناه عند
بحث المسؤولية في الشريعة الإسلامية ،
وبقي الحال كذلك إلى أن صدر التقنين السوري
الذي تبنى القانون المصري فقد نصت
المادة
(164) من القانون المدني السوري
: كل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض


تشمل
هذه المادة كل خطأ صادر عن الإنسان أضر بالآخرين ،
مهما كان وضعه أو مهنته ، لا فرق بين الطبيب
وغير الطبيب ، وهي تتناول الفعل السلبي
، كما تتناول الفعل
الإيجابي ، وتنصرف إلى مجرد الإهمال ، أو الفعل القصدي
.


أما القضاء السوري فقد استمر على اعتبار مسؤولية
الأطباء مسؤولية تقصيرية ، إذ جاء في
اجتهاد لمحكمة استئناف حلب رقم (451-1960)
وقرار (177-1960) تاريخ 25(آيار)1960 ما
يلي : أن محكمة أول درجة عندما أقامة قضاءها بسقوط
الدعوى بالتقادم المنصوص
عنه
في المادة (173) من القانون المدني قد أصابت الحقيقة وتعين لذلك رفض الاستئناف
موضوعاً وتصديق الحكم المستأنف » . وبما أن التقادم المنصوص عنه في المادة (173) من القانون المدني السوري هو التقادم الجنحوي
، ومقداره ثلاث سنوات يؤدي بالتالي
إلى
اعتبار المسؤولية تقصيرية



وهذا
الاجتهاد مستوحى مما استقر عليه اجتهاد
محكمة النقض في سورية إذ جاء في اجتهاد صدر في
عام (1960) المنشور في مجلة القانون
عام
(1961) ص148

:
إن مسؤولية الطبيب عن عمله غير المشروع ، وهو
تجبير كسر
خطأ
، تتقادم بمرور ثلاث سنوات على اليوم الذي علم فيه المضرور بحدوث الضرر ،
وبالشخص المسؤول عنه مادة (173) من القانون
المدني

» .
والى جانب أن التقادم المدني هو ثلاث سنوات في المادة (173) من
القانون المدني فإن قانون أصول المحاكمات
الجزائية في سورية في المواد (1-4-5) منه حتم تضامن الدعوى المدنية والجزائية ، وهذا ما أخضع الدعوى المدنية للتقادم الثلاثي
، التي تتقادم بها الدعوى العامة
المرتبطة
بها ، وعندنا أن معظم الدعاوى التي تستدعي المسؤولية الطبية ، سببها
الإهمال أو قلة الاحتراز أو تجاوز الأنظمة ،
كما إننا نجد معظم الدعوى الناشئة عن
إهمال الطبيب ، تجري ملاحقتها وفاقاً لقانون
العقوبات ، وهذه الجرائم هي من الجنح
التي تتقادم في ثلاث سنوات ، وقد نصت المادة
(438) من الأصول الجزائية
: تسقط دعوى
الحق العام ودعوى الحق الشخصي في الجنحة بانقضاء ثلاث سنوات ، إذا لم تجر
ملاحقة بشأنها خلال تلك المدة ، أو مضت ثلاث
سنوات على المعاملة الأخيرة ،إذا أقيمت
الدعوى وأجريت التحقيقات ولم يصدر حكم بها ».(1)
فلئن كان الاجتهاد
السوري أخضع
المسؤولية
التقصيرية لوحدة التقادم في الدعوى المدنية والدعوى الجزائية ، على ما
ذكرته المادة (438) من الأصول الجزائية الآنفة
الذكر ، بيد أن القضاء الفرنسي اتجه
اتجاهاً
آخر

.



إن
القضاء الفرنسي بعد أن سلك هذا السلوك الطويل مدة مائة عام
فاعتبر المسؤولية الطبية مسؤولية تقصيرية ،
تحلّل تدريجياً من هذا التكييف القانوني
للمسؤولية الطبية من ناحية الخطأ الواجب
الإثبات ، وطبق على مسؤولية الطبيب المادة
(1384) من القانون المدني التي تنص : يكون الشخص مسؤولاً ليس فقط عن الضرر الناجم عن فعله فحسب كذلك أيضاً عن فعل
الأشخاص الذين يتبعونه والأشياء التي تحت
حراسته » .


« On est
responsable nom seulement du dommage que l’on cause par son propre fait mais
encore de celui qui est causé par le fait des personnes dont on doit repondre
ou des choses que l’on a sous sa garde »



فأقام
قضاءه
على
قاعدة حراسة الآلات الميكانيكية ، أو الأشياء التي تتطلب حراستها عناية خاصة ،
واعتبر كل من تولي حراسة هذه الأشياء ، يكون
مسؤولاً عما تحدثه هذه الأشياء من ضرر
، ما لم يثبت أن الضرر
نشأ عن قوة قاهرة ، أو حادث مفاجئ ، أو عن خطأ المصاب ، أو
خطأ شخص لا يسأل عنه ، وهكذا طبق القضاء
الفرنسي على المسؤولية الطبية ما تقارب
نصوص المسؤولية عن حراسة الأشياء الجامدة التي
تحدث الضرر ، وأقام قرينة قانونية لا
تقبل إثبات العكس على خطأ حارس الآلة التي
تتطلب حراستها عناية خاصة ، كلما أحدثت
هذه الآلة ضرراً بالغير


فعاد
ركن الضرر في المسؤولية التقصيرية إلى البروز ،
حتى كاد يقضي على ركن الخطأ ، وبدأ تطور
المسؤولية الطبية ترجع إلى نقطة الابتداء ،
حيث كان المعيار مادياً ، لا شخصياً، وهكذا لم
يستطع القضاء الفرنسي التخلص من
تطبيق
أحكام المادة (1384) ف-1- على الأطباء ، خصوصاً في حالة العلاج بالأشعة ، أو
بالتيارات الكهربائية أو بالراديوم (1) بل
إنها طبقته في حالة العلاج بأوكسيد
سيانير
البوتاسيوم (2) ، وفي حالة ترك قطعة شاش بجسم المريض(3
) .


حقيقة
لقد

قاوم القضاء الفرنسي
هذه الأحكام ، ولكنه لم يتخلص نهائياً من محاولة تطبيق المادة
(1384) على الأطباء إلا بعد أن اعتبرت مسؤوليتهما
تعاقدية
.
أما عندنا في سورية ، فقد طبقت في هذه الحالات السالفة الذكر المادة
(179) مدني المأخوذة (178) مصري إذ
تنص : أن من تولى حراسة أشياء تتطلب حراستها عناية،
خاصة أو حراسة آلات
ميكانيكية
، يكون مسؤولاً عما تحدثه هذه الأشياء من ضرر ما لم يثبت أن وقوع الضرر ،
كان بسبب أجنبي لا يد له فيه هذا مع عدم
الإخلال بما يرد في ذلك من أحكام خاصة
»


وهكذا
نجد أن المشرع السوري أقام قرينة قضائية على خطأ حارس الشيء مع عدم
الإخلال بما يرد في ذلك من أحكام خاصة ، لأنه
رأى أن ليس من العدل أن يلقى عبء
الإثبات
على المضرور في حوادث قد يمتنع عليه عملياً أن يتبين كيفية وقوعها ، ولهذا
اختار فكرة الخطأ المفترض ، ومن ثم توسع
القضاء في معنى الحراسة ، فاعتبر حارساً
على كل من كانت له صلة قانونية على الشيء ، وهذا
ما يهدد رجال المهن الطبية ، لا
سيما
وأن المسؤولية عندنا خاضعة لقواعد المسؤولية التقصيرية



والآن
ما أهمية
التفرقة
بين اعتبار المسؤولية الطبية مسؤولية تقصيرية ، أو مسؤولية عقدية ؟
.


لا شك إن بين المسؤولية العقدية والمسؤولية
التقصيرية، فروقاً هامة يقتضي بحثها
والتمييز
بينها ، لما لها من أهمية ، فمنهم من يقول بالتمييز بين المسؤولية العقدية
،
والمسؤولية التقصيرية ، وهم أنصار ازدواج المسؤولية
dualité de responsabilité ومنهم من يرى ألا محل لهذا التمييز ، بين
المسؤولية ، لأن طبيعتهما واحدة ، وهؤلاء
أنصار وحدة المسؤولية unité de responsabilité وفي الواقع يوجد فروق جوهرية أهمها هي :


1- من حيث مباشرة دعوى المسؤولية


2- من حيث آثار دعوى المسؤولية .


3- من حيث الدفوع التي تعترض قبول الدعوى .

descriptionالمسؤولية الطبية للطبيب Emptyرد: المسؤولية الطبية للطبيب

more_horiz
الفصل الثاني


في مباشرةدعوى مسؤولية الطبيب وآثارها



1- الاختصاص


:
إن القانون الصادر في
فرنسا في
26(تشرين الثاني)1923 جعل الاختصاص في دعاوى
المسؤولية التقصيرية للمحكمة التي حصل
في دائرتها الفعل الضار (1) .
أما في سورية ، فإن
المسؤولية الطبية تخضع للقواعد
العامة في تحديد الاختصاص ، ويكون الاختصاص في
المسؤولية الطبية لمحكمة المدعى عليه
، وإن لم يكن للمدعى عليه موطن
في سورية ، فالاختصاص لمحكمة المدعي وإن لم يكن
للمدعي
موطن في سورية ، فالاختصاص لمحكمة دمشق (2
)



في القانون الواجب التطبيق


إذا
اعتبرنا أن المسؤولية الطبية تقصيرية ، فتخضع عندئذ هذه المسؤولية لقانون
البلد الذي وقع فيه الفعل الضار (3) بعكس المسؤولية العقدية ، فهي تخضع
للقانون
المتفق عليه المتعاقدان فإن لم يكن بينهم اتفاق ، يطبق قانون بلدهما ، إن
كانا من
جنسية واحدة ، وإلا طبق قانون البلد الذي تم فيه التعاقد


في عبء الإثبات


إن
إثبات المسؤولية الطبية أكثر ما يكون صعوبة ، لأنها مبنية على عناصر متشابكة
،
يصعب تقديرها وإقامة الدليل عليها ، فإذا اعتبرنا المسؤولية الطبية عقدية ،
فيتحمل الطبيب عبء إثبات أنه قام بالتزامه العقدي ، بعد أن يثبت الدائن
وجود العقد
،
أما في المسؤولية التقصيرية ، فالمريض هو الذي يتحمل عبء إثبات أن الطبيب قد خرق
التزامه القانوني ، وبهذا يكون حقه مهدداً إذا فشل في إثبات صحة دعواه


آثاردعوى مسؤولية الطبيب


2- التعويض


التعويض
أثر من آثار المسؤولية ، فهو نتيجة
الخطأ ويحصل المتضرر على التعويض إصلاحاً
لضرره ، والتعويض إذن، هو أجر الخطأ الذي
يرتكبه
الفاعل ، ويستحقه المتضرر من جراء جرم أو شبه جرم ، بسبب عمل غير مشروع ،
عملاً بالمادة (164) من القانون المدني السوري التي تنص على ان : كل خطأ سبب أضراراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض » .


ومبدئياً
يجب أن يكون التعويض مساوياً للضرر
الذي حل بالمضرور ، فإذا كان التعويض مستحقاً
في ذمة المدين بسبب عدم الوفاء
dommages intérêts compensatoires أو بسبب التأخير بالوفاء
moratoire
فما هو مقدار هذا التعويض الذي يلزم به فاعل الضرر ؟


التعويض
بأنواعه لا يخلو في فرضه من إحدى
الطرق الآتية
:



1- إما أن بقدره المتعاقدان بالعقد ابتداء


2- أو أن يقدره القاضي


3- أو أن يقدره القانون تقديراً يعتبر من النظام
العام
.


ومهما
يكن
صاحب السلطان في التقدير ، إرادة الطرفين أو القاضي أو القانون ، فكيف
يتصور أن
يكون التعويض في مسؤولية الطبيب عن خطئه ؟


وهل
يتصور أن يكون نقداً ، أم شيئاً
آخر غير الدراهم؟ وما هو مصدر التعويض في
مسؤولية الطبيب ؟ وهل يختلف الأمر فيه بين
المسؤولية
التقصيرية ، والمسؤولية العقدية ؟ وهل هناك تضامن في العقد ؟



بعد
أن
تثبت مسؤولية الفاعل عما ألحقه بالغير من ضرر، يتعين عليه أن يعوض على
المضرور ،
ويجبر الضرر الذي أصابه، فالتعويض ليس بجزاء رادع ، يرمي إلى فرض عقوبة
زاجرة للغير
،
إنما هو لإصلاح الضرر



ولكن
كيف يتصور إصلاح الضرر في المسؤولية
الطبية؟


وكيف
يصلح الضرر ، الذي يرتكبه الطبيب أثناء إجراء عملية شق دمل مثلاً ؟
فيخطئ ، وتقضي عمليته هذه إلى شلل نصفي يؤدي إلى عاهة دائمة .أو
كيف يصلح الضرر
الذي يصيب المريض ، من جراء عملية يحدث
تشويهاً بسيطاً يمكن إزالته ؟



وما
هو
مقدار التعويض ، الذي يجب أن يدفع لمغني فقد صوته نتيجة عملية جراحية ، وما
هي
الأسس في فرض مقدار التعويض ؟


ففي
المثال الأول يستحيل إصلاح الضرر ، فيفرض
التعويض
نقداً ، في هذه الحالة ، وهذا هو الأصل في فرض التعويض في التشريع السوري ،
والمصري ، إذا نصت المادة (172) من القانون المدني السوري


1- يعين القاضي طريقة
التعويض تبعاً للظروف
.


2- ويقدر القاضي التعويض بالنقد ، على أنه يجوزللقاضي تبعاً للظروف ، وبناء على طلب المضرور أن يأمر بإعادة الحالة
إلى ما
كانت عليه .


التنفيذ بمقابل والتنفيذ العيني


يتضح
من المادة (172) من
القانون المدني السوري أن التعويض المالي هو
الأصل ، أي التنفيذ بمقابل
Dation en paiement أما التنفيذ العيني ، Exécution
direct
فوقوعه في نطاق التعويض
إنما هو
على سبيل الاستثناء ، وقد تختلف طريقة إصلاح الضرر حسبما تكون الظروف ،
الملابسة
لحالة النزاع المطروح ، وبما يبدي المضرور في طلباته عنها ، كما أنها تختلف
أيضاً
في نطاق المسؤولية العقدية ، عنها في نطاق المسؤولية التقصيرية ؛ ولقد أشار
الشارع
المصري الذي نقل عنه المشرّع السوري تشريعه ، في القانون المدني إلى ذلك في
مذكرة
المشروع التمهيدي ، عن المادة (239) المقابلة للمادة (171) من القانون
الجديد في
قوله


« إذا كان التنفيذ العيني هو الأصل، في المسؤولية
التعاقدية ، فعلى
النقيض من ذلك ، لا يكون لهذا الضرب من
التنفيذ . . إلاّ منزلة الاستثناء في نطاق
المسؤولية
التقصيرية
» .
ثم قوله :


« فالتنفيذ بمقابل أي من طريق التعويض المالي ، هو القاعدة العامة في المسؤولية التقصيرية » (1)


أما
في المثال
الثاني : فليس من استحالة في إصلاح الضرر ، ورفع التشويه فيتصور والحالة
هذه ، أن
يكون التعويض شيئاً آخر غير الدراهم


إذ
يجوز للقاضي أن يفرض عملاً إيجابياً
معلوماً ، فالطبيب الذي يخطئ في عملية جراحية
وتخلّف عمليته تشويهاً يمكن إصلاحه
وإزالته ، ففي هذه الحالة يستطيع القاضي ، أن
يلزم الطبيب ، بإعادة العملية
الجراحية وإصلاح التلف والتشويه، بيد أن محكمة
النقض في فرنسا اجتهدت
:


بأن القاضي لا يستطيع أن يفرض على المدين عملاً إيجابياً (1) في
حين أن سورية ومصر ،
أجازتا القاضي ، أن يلزم المدين بعمل إيجابي ،
على ما نصت عليه المادة (171) مصري و
(172) سوري


والواقع
إن التعويض العيني جائز وسائغ في كل الصور، التي لا يمس
التنفيذ
فيها حرية المدين الشخصية



وليست
حرية القاضي مطلقة في الحكم بالتعويض
عيناً ، بل تقيدها الشروط التالية :


1- أن يكون ذلك ممكناً ، وإلا استحال إلى تعويض عيني


2- أن لا يكون في التنفيذ العيني إرهاق للمدين ،
فإذا
كان التنفيذ
العيني ممكناً ، ولكنه يرهق المدين بصورة يتجاوز فيه الضرر الذي يلحق
الدائن ، فإنه لا محل لإجبار المدين المسؤول عن التنفيذ عينياً .


3- أن يكون جسيماً
تقتضيه الظروف ، فللقاضي أن يأمر بإعادة الحالة إلى ما كانت عليه ، أو أن
يحكم بأداء أمر معين ، متصل بالعمل غير المشروع ، في سبيل التعويض(1)
أن يكون جسيماً تقتضيه الظروف فللقاضي أن يأمر بإعادة الحالة إلى ما كانت عليه أو
أن يحكم
بأداء أمر معين متصل بالعمل غير المشروع في سبيل التعويض (1) .


فجميع
الأحوال
التي ذكرناها ، إنما هي تدور في نطاق التنفيذ بمقابل ، وهذا مستساغ في حال
عدم
تنفيذ التزامات الطبيب ، أو التأخير في تنفيذها ، أو الخطأ في تنفيذها


ويثورهنا السؤال التالي : هل نستطيع أن
نكره الطبيب على تنفيذ التزامه عيناً ، دون
مطالبته بالتعويض ؟


القاعدة
: « إن التنفيذ العيني جبراً عن المدين ، جائز وسائغ
في
كل الصور ، التي لا يمسّ التنفيذ فيها حرية المدين الشخصية

»



والسؤال
الذي
يرد هنا هو : متى يكون التنفيذ الجبري ماساً بحرية المدين الشخصية ؟ الأمر
هنا
يختلف في نوع الالتزام المطلوب . فالالتزام ، إما أنه التزام بعمل شيء ، أو
التزام
بالامتناع عن عمل


فالتزام الطبيب ، من أي النوعين المذكورين ؟


الالتزام بعمل إذا كان محل الالتزام هو عمل تعهد به المدين ، فأحد أمرين :


آ)
ـ أن يكون
العمل متصلاً بشخص المدين بحيث يستمد منه قيمته الاقتصادية .


ب)
ـ أو أن لا يكون
كذلك


فالطبيب
الذي يلتزم بإجراء عملية جراحية ، فلا يجريها، أو يرفض العلاج
بعد التعهد به ؛ هذا الالتزام هو التزام بعمل ، حيث يستمد محل الالتزام
قيمته
الاقتصادية من شخص الطبيب بالذات ، فإذا امتنع الطبيب عن التنفيذ العيني ،
فإنه
يستحيل على القضاء ، إلزام الطبيب بالتنفيذ العيني جبراً عنه للأسباب
الآتية



1- لمنافاة هذا التنفيذ الجبري ، لحرية الطبيب
الشخصية وهي مكفولة
.
2-
لأن القسر في هذه الصورة ليس من شأنه أن يكفل الوفاء بالالتزام على النحو
المطلوب
.
ونخلص من ذلك : على أن
التنفيذ العيني جبراً على المدين سائغ بشرطين

:



1- أن لا يمسّ حرية المدين بشخصيته .


2- أن يكون ممكناً ومنتجاً


لذلك
فالتنفيذ
العيني عن طريق إجبار الطبيب للقيام بالتزاماته غير ممكن ، أو غير منتج
.



وهل معنى هذا إن الطبيب يكون حراً في التنفيذ ، أو عدم التنفيذ ، على ما يرى ؟
أم ثمة
وسائل يمكن حمل الطبيب على الوفاء عيناً بالالتزام ، الذي يتصل تنفيذه
بحريته
الشخصية! أي هل يمكن إكراه الطبيب مالياً على تنفيذ التزامه ؟


الإكراه المالي Astreintes


الإكراه
المالي هو الوسيلة التي يستطيع بها القاضي أن يضغط على
تعنت
المدين ، فيحمله على الوفاء بما التزم به



أولاً ـ فالقاضي بناء على طلب الدائن يقضي بإلزام المدين بمبلغ معين عن كل
يوم ، أو كل أٍسبوع أو كل شهر ، يتأخر
فيه عن الوفاء بما التزم به ، فالمدين خشية
تراكم هذه المبالغ عليه ، يبادر في غالب
الأحوال
إلى التنفيذ العيني ، راضخاً لهذا النوع من الإكراه المالي



ذلك
إنه
وإن كان المبلغ الذي يقضي به القاضي من قبيل الإكراه ، وليس حقاً مكتسباً
للدائن ،
إلا أن المدين لا يتبين بما سيحكم به القاضي عليه من تعويض في النهاية ، إن
تأخر عن
الوفاء ، فالخوف يداخله ، ومن ثمة يحمله على الوفاء.


ثانياً ـ إن القاضي حيث ثبت له تعنت المدين ، يأخذه بالقسوة عند تقديره لمبلغ التعويض ، فعلى ضوء ما ذكرناه هل نستطيع أن نقول : إن التزامات الطبيب يمكن إخضاعها للإكراه المالي ؟


وهل يشترط للحكم بالغرامة المالية أن يكون التنفيذ العيني جبراً على المدين غير
ممكن
؟


للجواب
على ذلك يجدر بنا أن نبحث خصائص الإكراه المالي



خصائص
الإكراه
المالي


يتميز
الإكراه المالي بخصائص ثلاث



1- الإكراه المالي أمر تهديدي Comminatoire


بمعنى
أن القاضي يهدد المدين بغرامة قدرها (كذا) عن كل يوم يقعد
فيه
عن التنفيذ ، ويلزم من هذا
:


آ
) ـ الدائن لا يستطيع أن ينفذ بمبلغ الإكراه
على
المدين



ب)
ـ إن وفاء المدين ، لا يكون بالمبلغ المحكوم به كغرامة ، إنما
يكون بمحل الالتزام .


ج)
ـ بالوفاء بمحل الالتزام ، يسقط الإكراه المالي ، لا
بالنسبة
للمستقبل فحسب ، بل إنما بالنسبة للماضي كذلك ؛ على أنه إذا كان قد أصاب
الدائن ضرر من تأخير الوفاء ، فإنه يستطيع المطالبة بالتعويض عنه


2- الإكراهالمالي أمر مؤقت Provisoire


بمعنى
أنه موقوت إلى أن يقع الوفاء ، وأنه موقوت
في
معنى ، إن للدائن أن يلجأ ليعيد النظر في تقدير الغرامة



3- الإكراه الماليأمر تحكيمي Arbitraire


أي
متروك لتقدير القاضي ، فلا سلطان لأحد عليه في
تقديره
، وهو في تقدير القاضي وسيلة ، يقدرها القاضي لا قياساً على ما لحق الدائن
من ضرر ، وإنما ينسبه إلى مايستبينه من ثروة المدين وتعنته


تكييف الإكراه :


وهكذا
رأينا أن الإكراه المالي إجراء ، جري به قضاء المحاكم ، لملاقاة حاجات
عملية واقعية ، ولئن كان يصح فرض الإكراه المالي كعقوبة ، أو إن الإكراه
المالي إن
هو إلا من قبيل الشرط الجزائي ، أو هو من قبيل الأوامر الذي يفرضها القاضي ويصدرها.


ففي
جميع الأحوال ، إنما يتناول إجبار المدين على تنفيذ الالتزام ،
ويبدو إنه النتيجة ، التي وصل إليها تطور القانون


فلقد
كان للدائن في القانون
الروماني أن يلجأ إلى القاضي ليستعمل الإكراه
على ذات شخص المدين ، لحمله على
الوفاء عنياً ، ثم زال الإكراه على شخص المدين
بما كتبته الدساتير من الحرية
الشخصية ، فلزمت أن يتلمس القاضي وسيلة أخرى
يكره بها المدين على الوفاء عيناً



ولقد
حلت ذمة المدين محل شخصه ، وأصبح المدين هو ذمة ، وأصبح ضمان الدائن هو
ذمة المدين ، فانتقل الإكراه انتقالاً وأخذ مفهوماً طبيعياً إلى ذمة المدين
، يضغط
عليها القاضي فيندفع المدين إلى الوفاء


ولئن
صح أن مثل هذا النوع من الإكراه
المالي ينصب على ذمة المدين ، فإنه لا يمكن أن
ينال هذا الإكراه ذمة الطبيب، إذا
أصبح الوفاء عيناً غير ممكن أو غير منتج .
فالطبيب الذي يمتنع عن
إجراء عملية
مستعجلة ، ثم يهلك المريض بقوة قاهرة ، أو يصاب الطبيب بعاهة ، تقعده ، عن
إجراء
العملية أو المداواة ؛ ففي هذه الحالة ، فإن الوفاء عيناً أصبح غير ممكن
لأن
المعقود عليه قد هلك وانعدم محل الالتزام أو أحد أطراف العقد .
وكذلك الأمر إذا كان الوفاء عيناً أصبح غير منتج لفوات الوقت المحدد له كالطبيب الذي يتعهد
بمكافحة
(جلطة) في الدم قبل وصولها إلى القلب فإذا أصبح الوفاء عيناً غير ممكن وغير
منتج ،
فإنه بداهة يمتنع الالتجاء إلى الإكراه المالي ، لأنه وسيلة المقصود منها
الوصول
إلى نتيجة


أما إذا كان الوفاء عيناً ممكناً ومنتجاً ، بيد إن الطبيب استمر في الامتناع عن تنفيذ الالتزام ، فإنه لا يجبر قسراً على تنفيذ الالتزام كما
مر معنا ،
إنما يحكم بغرامة وإن المبلغ الذي يحكم به كغرامة ، ليس نهائياً في مجموعه
، بل عند
تقدير التعويض ، يلتزم القاضي المعايير التي سنراها ، وعلى الأخص مبلغ ما
أصاب
الدائن من ضرر ، فقد يكون هذا الضرر أقل بكثير من مبلغ الإكراه


فإذا
استمر
الطبيب ممتنعاً عن تنفيذ الالتزام ، يحكم القاضي في النهاية بما يوازي
الضرر فحسب ،
وإن كان عملياً يتوسع في تقدير هذا التعويض (1


وبعبارة
أخرى لا يمكن اعتبار
جملة مبلغ الإكراه المالي مساوياً للتعويض .
على أن القضاء في
بلجيكا جرى على أن
يحكم بمبلغ الإكراه كله ، كتعويض للدائن ،
وذلك ليكون الإكراه وسيلة أفعل في حمل
المدين على الوفاء
.



وهكذا
رأينا أن التنفيذ العيني ، إذا أصبح غير ممكن ، وغير
منتج
، فوجب يحكم الضرورة أن يكتفي الدائن بما يقوم مقام التنفيذ العيني ، بما
نسيمه التنفيذ بمقابل .
والمقابل الذي يحل محل
التنفيذ العيني هو عبارة عن
التعويض ، سواء أكان عن عدم التنفيذ ، أو عن التأخير
عن التنفيذ



ولهذا
شروط
يلزم توفرها لاستحقاقه وهي التي يبحثها القاضي عند تقدير التعويض .
فما هي الشروط ؟ وما هي الضوابط التي يلتزمها القاضي عند تقدير التعويض .
تقدير التعويض


ما
هي الضوابط التي يلتزمها القاضي عند تقدير التعويض ؟



يتضمن
التعويض
عنصرين على ما أشارت إليه المادة (222) من القانون المدني السوري :


1- ما أَصاب الدائن
من خسارة
La Perte subie


2- ما ضاع عليه من كسب
Gain manque .



هذان العنصران يجب أن يدخلهما القاضي في معيار التعويض ، سواء في المسؤولية
العقدية ، أو
المسؤولية التقصيرية، إذ أن نص المادة (164) من القانون المدني جاء مطلقاً
بوجوب
التعويض ، ذلك إنه إذا لم يكن بالإمكان إعادة المضرور إلى ما كان عليه قبل
حدوث
الضرر ، فعلى الأقل تعويضه ، ليس بما لحقه من خسارة ، بل بما فات عليه من
ربح ؛
وذلك دون التمييز بين أن تكون المسؤولية عقدية أو تقصيرية


فالمريض
الذي يصيبه
ضرر بخطأ الطبيب يجب أن يعوض عليه ، عما أصابه في جسمه من ضرر وألم ، وما
بذل من
مال في سبيل علاجه ، وهذا كلّه يتضمنه فكرة ما لحقه من خسارة ، كما له أن
يعوض عما
فاته من كسب ، أثر وقوع الحادث (1) وهذا هو مضمون التعويض.


فالمبدأ
المتفق عليه
فقهاً وقضاءً : « إن التعويض يقدر بقدر الضرر » (2)
.
والتعويض هو مقابل
الضرر
الذي يلحق المضرور من الفعل الضار (3)
.
وإنه يكفي للحكم
بالتعويض المدني ، أن
يثبت للمحكمة أن الفعل الذي وقع من المتهم ،
قد ترتب عليه ضرر حقيقي للمجنى عليه
.حتى ولو كان هذا الفعل في ذاته لا يكّون جريمة مستوجبة العقاب (1)


ويقول الفقيه دوماً بهذا الخصوص :



Toutes les pertes ,tous les dommages ,qui peuvent arriver par le fait de
quelque Personne ,soit imprudence ,légereté ignorance de ce qu’on doit savoir,
ou autres fautes semblaples, quelque légéres qu'elles soient doivent
être réparées par celui dont l’imprudence ou autre faute y a donné lieu (2) .



ومفهوم
هذا القول : « إن كل الخسارات والأضرار التي تحصل من
فعل
بعض الأشخاص نتيجة للرعونة وعدم الاحتياط سواء عن جهل في القانون أو سواء عن
خطأ أخر يجب أن يصلح موضع الضرر »


محل التعويض :


يشترط
لاستحقاق التعويض
:


1- أن يكون ثمة ضرر :


إن
محل التعويض إذن هو إصابة الضرر للغير ، وفي
مسؤولية
الطبيب محل التعويض هو أن ينشأ ضرر للمريض ، من جراء عدم قيام الطبيب
بالتزاماته ، فإن لم يكن ثمة ضرر ، فلا محل للحكم على الطبيب بالتعويضات


مثال على ذلك : التزام الطبيب أن يقوم بعملية جراحية لمريض ، ولم ينفذ الطبيب
العملية إذ
تبين له إن المريض قد توفي قبل وصوله ، فلا محل هنا للتعويض ، لأنه ثبت إن
المريض
قد توفي قبل أي إجراء من الطبيب و إن الطبيب لم يلحق به أي ضرر ، أو لم
يصدر عنه أي
إهمال.


يتضح
من ذلك : أنه يلزم أن يكون ثمة ضرر أصاب الدائن (المريض
)
.
والضرر على نوعين :


آ
) ـ ضرر مادي



ب)
ـ ضرر أدبي



والضرر
الأدبي
والمادي سيان في إيجاب التعويض ، إذ الضرر الأدبي كاف للحكم بالتعويض


والضرر الأدبي إذ يستقل عن الضرر المادي ، فالمحاكم أقرت الحكم به كما استقر
الاجتهاد
عندنا بالأخذ به ، وهذا ما أقرته محكمة النقض السورية ، في حكمها الصادر في
الدعوى
أساس (985) قرار (719) بتاريخ 31( كانون الأول)1959 إذ قالت :
«
إن من آثار هذه المسؤولية التعويض عن الضرر المادي المنبعث عن فقد الميت أثمن شيء مادي وهو
الحياة،
والتعويض عن الضرر الأدبي الذي أجاز المشرع الحكم به للأزواج والأقارب إلى
الدرجة
الثانية ، عما انتابها من ألم حقيقي من جراء موت المصاب » .
وإن التعويض المادي وإن كان ينتقل إلى خلفاء المصاب من الورثة كل بقدر نصيبه في الإرث ، غير إن
التعويض
الأدبي الذي لم يطالب به المصاب أمام القضاء يبقى قاصراً على هؤلاء
الأشخاص المعينين ، الذين يحق لهم المطالبة به على اعتباره حقاً شخصياً ، يعطي لكل
منهم
بنسبة ما انتابه من الغم والأسى والحزن ، عملاً بأحكام المادة (223) من
القانون
المدني السوري (1)


على
أن بعض الفقهاء ينازع في هذا الشأن ، متى كان الأمر
متعلقاً
بالمسؤولية العقدية ؛ ونحن لا نرى لهذا الرأي وجاهته



2- أن يكون هذاالضرر ناتجاً عن فعل المدين الخطأأي الخاطئ) :


ففي
المسؤولية الطبية ، إذ
اعتبرناها مسؤولية عقدية ، نجد أن الطبيب
يتحمل عبء الإثبات ، ليقيم الدليل على أنه
قام
بالتزامه العقدي ، على أحسن وجه ، لكن عدم الوفاء بذاته يفيد قرينةً على خطأ
المدين هذا في التشريع الفرنسي


أما
في التشريع السوري ، والمصري ، فإنه يبدو
أن
الوضع غير ذلك ، بمعنى إنه ليس ثمة قرينة تستفاد من عدم التنفيذ على خطأ جديد ،
والفرق بين التشريعين في واقع الأمر من الناحية العملية قليل


إذن
في الواقع
كما قلنا ، يجب أن يكون ثمة خطأ من جانب الطبيب ، إذ يستطيع الطبيب أن يدفع المسؤولية، بأن مرد عدم الوفاء هو سبب أجنبي عنه ، يرجع إلى القوة القاهرة
، أو
الحادث الجبري ، أو فعل الغير ، أو فعل ذات الدائن أي
المريض
)


3- أن يكونبين الضرر و الخطأ رابطة سببية :


أي
أن يكون الضرر نتيجة الخطأ الذي ارتكبه
الطبيب كموت المريض ، نتيجة الخطأ في عملية
جراحية ، على أن المدين الطبيب يبرأ إذا
ثبت
أن المعقود عليه كان ليهلك كذلك، ولو قام بالتزامه على أتم وجه



4- أن يكونالدائن قد أعذر المدين بالوفاء


اعذار
المدين
mise en demeure الاعذار عبارة عن
تكليف صادر من الدائن وموجه إلى المدين بالمبادرة إلى الوفاء، وإن الإعذار لا
يتوجب إلا في المسؤولية العقدية ، ففي الحالات التي تعتبر بها مسؤولية
الطبيب عقدية
،
يجب أن لا يستحق التعويض إلا بعد الإعذار ، ذلك لأن المادة (219) من القانون
المدني السوري تنص صراحة بقولها


« لا يستحق التعويض إلا بعد إعذار المدين ، ما لم ينص على غير ذلك » .
وبهذا أيضاً تقضي
المواد (1138-1139-1147) من القانون
المدني الفرنسي ، ذلك إن تحديد أجل الوفاء لا
يفيد بذاته ، معنى أن الدائن يتشدد في
وجوب الوفاء إليه في هذا الأجل ، ومن ثم
فالقرينة ، هي أن عدم تكليف الدائن المدين
بالوفاء
، يفيد تسامحه معه ، أي المدينّ له في الوفاء وقد اجتهدت محكمة النقض
السورية فقالت


« إن سكوت الدائن عن إعذار المدين ، يسقط حقه
بالمطالبة
بالتعويض ، على اعتبار إن هذا السكوت قرينة ضمنية على عدم لحوق الضرر ،
فضلاً عن أن
الإنذار وسيلة إثبات بيد الدائن ، يقيم بها الدليل على تقصير المدين ، فإذا
لم يقم
في الإنذار ، لم يثبت التقصير لاحتمال القيام بالوفاء في الوقت المناسب
فيما لو تم
الإعذار (1)» أ .هـ


فالإعذار
إذن ، وسيلة بها يقطع الدائن دابر هذه القرينة،
ومن
ثم لزم أن يكون في صورة تنبئ عن الحزم والجد



فالمطالبة
شفوياً، وعلى يد
شهود ، وفي خطاب عاجل ، وفي خطاب موصى عليه ،
كل أولئك لا ينفع وسيلة في
الإعذار.


وقد
حددت المادة (220) من القانون المدني طريقة الإعذار فقالت

:



« يكون إعذار المدين بإنذاره بواسطة الكاتب
بالعدل أو بما يقوم مقام الإنذار ، ويجوز
أن
يتم الإعذار عن طريق البريد على الوجه المبين في القوانين الخاصة
»
وتطبيقاً لذلك ، فإنه يمكن إعذار المدين ، بما يقوم مقام الإنذار ، وذلك عن طريق
الدعوى التي
يقيمها الدائن على المدين


وهذا
ما قررته محكمة النقض السورية إذ قالت
:


« إن صحيفة الدعوى التي تتناول الإنذار
والمطالبة القضائية في وقت واحد تقوم مقام
الإعذار
لأنها تدعو الخصوم إلى تنفيذ التزاماتهم »(1
)
.



وهذا
الاجتهاد سليم في
منطوقه ، ذلك إن الإعذار هو عبارة عن دعوة من
الدائن إلى المدين بالوفاء العيني
. فالطبيب الذي يتقاضى أجوراً ثابتة لقاء خدماته
في مستشفى ، ثم يرفض علاج أحد المرضى
، في هذا المستشفى ، فمسؤوليته
في هذه الحالة ، مسؤولية عقدية ، وكذلك الحال
بالنسبة
للطبيب الذي يتعاقد مع المريض لعلاجه ، يعتبر مسؤولاً مسؤولية عقدية إذا هو
هجر المريض ، والمعيار السليم لاعتبار المسؤولية عقدية أو تقصيرية ، هو أنه
يوجد
أربع شروط يجب توفرها جميعها في المسؤولية ، حتى يحكم عليها بأنها عقدية ،
وإلا فهي
مسؤولية تقصيرية

descriptionالمسؤولية الطبية للطبيب Emptyرد: المسؤولية الطبية للطبيب

more_horiz
فعندما تعتبر المسؤولية الطبية مسؤولية عقدية ، يجب أن تتوفرفيها الشروط التالية وهي :


1- وجود عقد بين الطرفين


2- أن يكون العقد صحيحاً


3- أن يخل أحد العاقدين بأحد التزاماته الناشئة عن العقد.


4- أن يلحق هذا الإخلال بالالتزام ضرراً للطرف الآخر أو لخلفه


فعندما
تعتبر
المسؤولية الطبية عقدية ، فإن الإخلال بالالتزام ناشئ عن عقد ، وهذا
الإخلال يستوجب
التعويض بعد الإعذار ، ما لم يكن قد نص على
الإعفاء منه
.
وقد يتوجب التعويض في المسؤولية الطبية العقدية دون حاجة إلى إعذار ، وذلك فيما إذا كان الاتفاق
قد قضى
بأن يكون المدين معذراً بمجرد حلول الأجل ، دون حاجة إلى إجراء آخر بالمادة
(220
) من القانون المدني السوري ، والمفهوم بداهة مما ذكرناه ، إن الإعذار لازم
في كل
الأحوال ، للمطالبة بتعويض ما ، عن مسؤولية عقدية ، سواء أكان سببه تعويض
عدم
الوفاء ، أو التأخير فيه


وغني
عن البيان إنه لا تتوجب أي إعذار ، حيث يكون
الوفاء
العيني غير ممكن، أو غير منتج ، أو إن المسؤولية تقصيرية، وقد نصت المادة
(221) من القانون المدني السوري بقولها
:



« لا ضرورة لإعذار المدين في الحالاتالآتية


1- إذا أصبح تنفيذ الالتزام غير ممكن أو غير مجد بفعل المدين


2- إذا كان محل الالتزام تعويضاً ترتب على علم غير مشروع


3- إذا صرح المدين
كتابة أنه لا يريد القيام
بالتزاماته
» .



وتطبيقاً
للمادة (221) من
القانون المدني السوري أصدرت محكمة النقص
السورية قرارها التالي



«إن الإعذار إنما
يتوجب في العلاقات التعاقدية التي
» يلجأ فيها أحد المتعاقدين إلى إعذار الطرف
الآخر» « بغاية تنبيهه إلى القيام بالتزاماته حتى إذالم يستجب
»
«
لهذا الإعذار، اعتبر ناكلاً، واعتبر الإعذار وسيلة» « لإثبات النكول ، وترتب
عليه
المسؤولية العقدية »


« وأما في المسؤولية الناجمة عن العمل غير
المشروع
» « فإن المطالبة
بالعطل والضرر الناجم عن هذا العمل» « لا تتوقف على الإعذار ، إذ لا جدوى
من هذا»
«
الإعذار بعد أن وقع
الضرر ، وانحصر الخلاف بين» « الطرفين في ترتبه
وتحديد
مقداره ، وقد استبانت
» إرادة المشرّع واضحة في هذا الصدد في المادة»

« (221)
من ق.م التي نصت على
عدم ضرورة
» الإعذار إذا كان محل الالتزام تعويضاً ترتب عن» عمل غير مشروع »(1).


كما
قضت محكمة النقض المصرية



« إذا كان الثابت أن المسؤولية قائمة على أساسين العقد، والفعل الضار، فلا
حاجة إلى تطبيق المادة » « (218) من القانون المدني المصري وهي (المقابلة
» « من
المادة(219) من القانون المدني السوري) لأنها» « لا تنطبق على المسؤولية عن
الأفعال الضارة،» ولأن الإعذار الذي تنص عليه هذه المادة
غيرلازم» « في
المسؤولية عند الإخلال بالتزام سلبي (1


ويرى
آخرون من الفقهاء أن وجوب
الإعذار لا يترتب تبعاً لنوع المسؤولية ، كما
وإن الإعذار لا يتم نتيجة لنشوء
الالتزام من العقد أو من القانون ، إنما
المقصود من وجوب الإعذار هو إثبات هذا تأخر
المدين
عن الوفاء ؛ ففي الحالات التي لم تكن بحاجة إلى إثبات هذا التأخير أو إذا
كان محل الالتزام امتناعاً عن عمل ، فليس من حاجة إلى الإعذار ، وهو الشأن
في
المسؤولية التقصيرية ، التي يغلب توافرها في الإخلال بالتزام الامتناع عن
عمل
(1).


بيد
أنه يرد على ذلك ، بأن الإعذار لا يقتصر وجوبه على المطالبة بالتعويض
عن التأخير في التنفيذ، dommages intérêts
moratoires
وإنما يجب حصوله أيضاً
في
حالات المطالبة بالتعويض عن عدم الوفاء dommages intérêts compensatoires المادة(2،13)من القانون المدني الفرنسي(2)


وفي
هذا يقول الأستاذ (جوسران
) مؤيداً إن التقسيم بين نوعي المسؤولية إنما يتفق وطبائع الأمور :


On n'imagine pas que la victime d'un
accident mette l’auteur responsable enemeure de remplir ses obligations, c’est
-à- dire de ne pas causer d'accident qui, par hypothése est survenu (3) .



وترجمته
: لا يمكن تصور قيام ضحية حادث ما بإعذار مرتكبه بأن
يلتزم
بعدم التسبب بوقوع الحادث



مدى شمول
التعويض في مسؤولية الطبيب
مدىالضرر


قلنا
سابقاً إن التعويض يشمل الضرر المادي والضرر الأدبي ، ولكن هل يكون
التعويض عن الضرر المباشر والضرر غير المباشر
.



الأصل
كما مر معنا ، إنه يشترط
أن يقوم بين الضرر والفعل الخطأ ـ سواء كان
هذا الخطأ ناجماً عن إخلال بالتزام عقد،
أو
بالتزام فرضه القانون ـ رابطة سببية
.
إنما هل يشترط أن يكون
الضرر نتيجة
مباشرة للفعل الخطأ ـ عدم الوفاء بالتزام ـ أياً كان مصدره ؟


من
المقرر أنه في
المسؤولية التقصيرية ، يكون التعويض عن الضرر المباشر ، والضرر غير المباشر
، أما
في المسؤولية العقدية فالمقرر هو أن يكون التعويض عن الضرر المباشر فحسب ،
وهذا
فارق بين المسؤوليتين


الضرر المباشر والضرر غير المباشر


ما
هو إذن الضرر
المباشر ؟ وما هو الضرر غير المباشر ؟ وما هو معيار التفرقة بينهما ؟


جرى
قضاء
محكمة النقض الفرنسية على أن المسألة موضوعية ، بمعنى أنها متروكة لقاضي
الموضوع ،
على أنه يمكن القول بأن الضرر المباشر ، هو كلما كان نتيجة للفعل الخطأ ،
كعدم
الوفاء بالالتزام ، ولم تتدخل أفعال أخرى في إحداثه ، بمعنى أن يكون الضرر
نتيجة
لعدم الوفاء بالالتزام دون غيره ، فهو ضرر مباشر . أما إذا تداخلت عوامل
أخرى
أجنبية في إحداث هذا الضرر إلى جانب عدم الوفاء بالالتزام ، فإنه أي الضرر
يكون غير
مباشر


فهلاك
المريض نتيجة مباشرة لإهمال الطبيب
لمعالجته ، وانتقال العدوى إلى سائر المرضى في
المستشفى وهلاكهم، كذلك نتيجة مباشرة
إلى المرض المعد ، الذي لم يتخذ له الطبيب
الاحتياط والعناية التي توجبها الأصول
والفن الطبي. فخطأ الطبيب وإهماله العلاج
معناه أنه لم يوف التزامه ، ومن ثم فهلاك
المريض
و المرضى ، نتيجة مباشرة عن الإخلال بالالتزام. أما عن اليتيم وما تلاه من
مصائب سببها هلاك رب الأسرة، وعوامل أخرى خارجية ، جميع هذه النتائج
المتسلسلة لا
يمكن للطبيب أن يتدبرها ، وأن يوقف هذا التسلسل ؛ فهلاك المريض ضرر مباشر
أما
النتائج المتسلسلة التي تبعتها ، كعجز الأولاد عن تنفيذ التزامات رب أسرتهم
فهي
أضرار غير مباشرة


فالقاعدة
التقليدية هي إننا نقف عند الضرر المباشر

dommage direct
فنعوض
عنه ، ونغفل الضرر غير المباشر
dommage indirect فلا يجب له التعويض
.
والضرر المباشر نصت عنه
المادة (122) من القانون المدني السوري فقالت

:
«
إذا لم يكن التعويض
مقدراً في العقد ، أو بنص في القانون ، فالقاضي هو الذي يقدره ،
ويشمل التعويض ما لحق الدائن من خسارة ، وما فاته من كسب ، بشرط أن يكون
نتيجة
طبيعية لعدم الوفاء بالالتزام أو التأخر في الوفاء به
» .



«ويعتبر الضرر نتيجة طبيعية
إذا لم يكون في استطاعة الدائن أن يتوفاه ببذل جهد معقول



يخلص
من ذلك
: إن الأضرار المباشرة هي الأضرار التي تكون
نتيجة طبيعية للخطأ الذي أحدثها ، وهي
التي كان المضرور لا يستطيع توقيها ببذل جهد
معقول ، وهي وحدها التي تحتفظ من
الناحية القانونية بعلاقة السببية بينها وبين
الخطأ



أما
الأضرار غير المباشرة
وهي التي تكون نتيجة طبيعية للخطأ الذي أحدث
الضرر ، فتنقطع علاقة السببية بينها
وبين الخطأ ، ولا يكون المدعى عليه مسؤولاً
عنها (1
) .
الضرر المتوقع والضرر
غير
المتوقع :


هل
يكون التعويض عن الضرر المتوقع فحسب ، أم إنه يكون كذلك عن الضرر
غير المتوقع ، وقت حصول الإخلال بالالتزام ، وما هو نصيب المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية من التعويض عن الضرر المتوقع ، والضرر غير المتوقع؟


« ففي المسؤولية
التقصيرية يلتزم بالتعويض عن
» الضرر المتوقع والضرر غير المتوقع ، لأنه أخطأ » خطأ يعتبر مخالفاً للنظام العام ». أما في المسؤولية العقدية
فالعقد عبارة عن اتجاه
» إرادة العاقدين إلى تحديد مركزهما في المستقبل، » ومن ثم فما لم يدخل تحت نظر العاقدين وقت » انعقاد العقد لا
يكون له أي تعويض في شيء
» . والمعيار هنا مادي، بمعنى أن العبرة إنما هي بما كان» يمكن توقعه عقلاً وقت انعقاد العقد » .


وهكذا
في المسؤولية
العقدية ، لا يسأل المتعاقد الذي أخلّ بالتزامه إلا عن الضرر المتوقع عقلاً
وقت
انعقاد العقد ؛ على أنه إذا جنح المتعاقد في عمل الوفاء بالالتزام إلى الغش
، أو
إلى خطأ جسيم يلحق بالغش أو إلى التدليس ، فإن ذلك يكون منه فعلاً خطأ في
معنى
المادة (222) من القانون المدني السوري، ومن ثم يسأل عن الضرر المتوقع
والضرر غير
المتوقع جميعاً


أما
إذا كان عدم الوفاء ليس ناشئاً عن تدليس من المدين، فلا
يكون
ملزما إلا بما كان متوقع الحصول وقت العقد
.


مثال
على ذلك : لو فرضنا أن
فناناً كمغن ، تقدم إلى الطبيب لعلاج حنجرته
وكان الطبيب يجهل مهنته ، وفقد الفنان
صوته بخطأ الطبيب فما هو مدى شمول الضرر ؟
إذا اعتبرنا مسؤولية
الطبيب تقصيرية
حملناه مسؤولية كل الضرر الذي أصاب المريض
باعتباره فناناً وإذا اعتبرنا مسؤولية
عقدية وقفت مسؤولية الطبيب في هذه الحالة عند
تعويض الضرر الذي ينشأ من فقد أي شخص
عادي لصوته (1


تحقق الضرر :


التعويض
لا يكون إلا عن الضرر الحال المحقق
actuel et certain .
الضرر الحال : هو الضرر
الذي أصاب الدائن فعلاً. يقابله
الضرر المستقبل ، ولا محل لطلب التعويض عن ضرر
مستقبل لأن القاضي إنما يقضي عما
أصاب الدائن من خسارة، وما فات عليه من ربح ،
وليست عناصر أيهما حاضرة لديه الآن،
فعليه إذن أن يتريث ومتى صار الضرر المستقبل
طلب عنه التعويض (1
)


ويشترط
كذلك
أن يكون الضرر محققاً وهو مستفاد بداهة من كونه حالاً ؛ فتحقق الضرر إذن هو
أن يكون
قد وقع فعلاً ، أو سيقع حتماً . فالمريض الذي يموت أو يصاب بتلف في جسمه
نتيجة لخطأ
الطبيب ، فهذا ضرر وقع فعلاً وهو الضرر الحال
.
أما الضرر الذي سيقع
حتماً ، وهو
الضرر المستقبل كمن ، إذا أصيب المريض بضرر ناجم عن خطأ الطبيب ، فعجز
المريض عن
العمل ، ففي هذه الحالة يعوض ليس فقط عن الضرر الذي وقع فعلاً من جراء عجزه
عن
العمل في الحال ، بل وعن الضرر الذي سيقع حتماً من جراء عجزه عن العمل في
المستقبل
،
فإذا كان الضرر يمكن تقديره فوراً ، قدّره القاضي وحكم به كاملاً ، أما إذا لم
يتمكن من تقديره في الحال ، معنى ذلك إن الضرر يتوقف تقديره على أمر مستقبل
لا يزال
مجهولاً، فالمريض الذي تشلّ رجله نتيجة ارتكاب الطبيب خطأ أثناء إجرائه
عملية
جراحية ، فيتوقف تقدير الضرر على ما إذا كانت ستتعطل وظيفة الساق نهائياً
أم لا ؟
فللقاضي في هذه الحالة ، أن يقدر التعويض في كلا الفرضين ، ويحكم بما قدّر
ويتقاضى
المريض التعويض الذي يستحقه وفقاً لأي من الفرضين يتحقق في المستقبل .
وقد يرجع عدم إمكان التقدير في الحال ، إلى أن المريض سيبقى عاجزاً عن العمل كلياً
أو جزئياً
طول حياته ، ولا يعلم أحد في أي وقت يموت ، فيجوز للقاضي في هذه الحالة أن
يجعل
التعويض إيراداً مرتباً مدى الحياة ، كما وإنه قد يرجع عدم إمكان تقدير
الضرر إلى
أسباب أخرى ، فيجوز للقاضي بعد أن يقدر الضرر وفقاً لما تبينه من الظروف ،
أن يحتفظ
للمضرور بالحق في أن يطالب في خلال مدة معينة بإعادة النظر في التقدير(1) وهذا
ما
قصدته المادة (171) من القانون المدني إذ نصت
:



« يقدر القاضي مدى التعويض عن الضرر الذي« لحق المضرور طبقاً لأحكام المادتين(222-223)مراعياً في ذلك
الظروف الملابسة، فإن لم يتيسر لهوقت الحكم أن يعين مدى التعويض تعيناً
نهائيا فله أن يحتفظ للمضرور بالحق ، في أن يطالب خلال مدة معينة بإعادة
النظر في تقدير (1
) »


.على أن الضرر المستقبل قد لا يكون متوقعاً وقت الحكم
بالتعويض ، فلا يدخل في حساب القاضي عند
تقديره
، ثم تتكشف الظروف بعد
ذلك عما تفاقم منه ، فهل للمريض أن يطلب
تعويضاً آخر ؟



مثال
ذلك : الطبيب الذي
يجري عملية جراحية في عين أحد المرضى لقصور في
الرؤيا فيرتكب خطأ في العملية يلحق
ضرراً بالمريض ويحكم بالتعويض ، ثم يتطور
الضرر ، فيكفّ بصر المريض نتيجة لخطأ
الطبيب ، فهل للمضرور أن يطالب بتعويض جديد ؟
ففي هذه الحالة يجوز
للمضرور أن
يطلب في دعوى جديدة بالتعويض عما استجدّ من الضرر ، مما لم يكن دخل في حساب
القاضي
عند تقدير التعويض الأول ، ولا يمنع من ذلك قوة الشيء المقضي به ، إذ إن
الضرر
الجديد لم يسبق أن حكم بتعويض عنه ، أو قضى فيه . فلئن كان يجوز زيادة
التعويض بيد
أنه لا يجوز إنقاصه .


كما
إذا كان القاضي قدر قيمة الضرر ، وحكم بالتعويض وفقاً
لهذا
التقدير ، ثم تكشفت الظروف بعد ذلك عن تناقص الضرر تناقصاً لم يكون متوقعاً ،
كأن قضى لمريض بتعويض عن خطأ أفقده بصره ، ثم تبين بعد ذلك أن المصاب قد
استرد
شيئاً من قوة الإبصار ، فلا يجوز في هذه الحالة ، أن يعاد النظر في تقدير
التعويض
لإنقاصه ، لأن هذا التقدير قد حاز قوة الشيء المقضي به (1)


الضرر المحتمل prejudice eventuel :


هو
ضرر غير محقق ، فقد يكون وقد لا يكون ، فلا محل للتعويض
عه
إلا عندما يقع فعلاً ، وهذا ما استقر عليه الاجتهاد القضائي إذ جاء فيه
:


« أن المتهم في جريمة الضرب يكون مسؤولاً عن » جميع النتائج المحتمل حصولها عن الإصابة التي » أحدثها ولوكانت عن طرق غير مباشرة كالتراخي في العلاج أو الإهمال فيه ما لم يثبت أنه كان معتمداً لتجسيم المسؤولية(2)


واجتهاد
آخر بهذا الخصوص
:


« يكون المتهم مسؤولاً جنائياً عن جميع النتائج » المحتمل حصولها عن الإصابة التي أحدثها عن خطأ أو عمد ولوكانت عن طريق غير مباشر كالتراخي في
العلاج أو الإهمال فيه ما لم يثبت أنه كان
متعمداً لتجسيم المسؤولية ، كما أن مرض المجني عليه وتقدمه في السن هي من الأمور الثانوية التي لا تقطع رابطة السببية بين فعل المتهم والنتيجة التي
انتهى إليها أمر المجني عليه بسبب إصابته(1
)



وعلى
هذا نجد أن
الضرر المحتمل مرتبط بتحقيقه في المستقبل ، فالمريض إذن الذي يسقط من أيدي
الممرضين
أثناء نقله فتكسر رجله ، فلا يستطيع أن يطلب التعويض عما عساه أن يصيبه من
عجز أو
علة ، أو عاهة ، لأن هذا قد يكون وقد لا يكون فهو غير محقق ، فهو إذن ضرر
مستقبل ،
فإذا تحقق هذا الضرر طلب عنه التعويض ؛ أما الضرر المحتمل هو ضرر غير محقق
الآن في
وقت الإصابة ، لهذا فلا يكون التعويض عنه واجباً إلا في حال وقوعه فعلاً (2)


وهذا
ما جنحت إليه محكمة المختلطة في مصر في 7(نوفمبر)1933 م-46 ص12
.


وهكذا
رأينا أن الضرر المحتمل لا محل للتعويض عنه
إلا
إذا وقع ، ولكن قد
يقع الضرر لكنه قابل للتغيير تفاقماً أو نقصاناً ، فما هو الرأي في معيار التعويض
عنه ؟



وهذا
ما سنبحثه في مفهوم الضرر المتغير وضوابطه



الضررالمتغير


هو
الضرر الذي لا يستقر في اتجاه بذاته ، إنما يتحول تبعاً لظروف
طارئة بين فترة ارتكاب الخطأ ونشوء الضرر ، مثال ذلك
:



قام
طبيب بعملية جراحية
، فأخطأ فيها ، ونجم عنها
للمريض ضرر ، بيد أن هذا الضرر غير نهائي ، فيمكن أن
تتحسن
حالة المريض ، كما يمكن أن تتردى
.


ففي
هذه الحالة إذا تحسنت حالة المريض
، معنى ذلك إن الضرر بادر
بالتلاش عما كان عليه وقت حدوثه وقبل صدور الحكم



فالقاضي
هنا يجب عليه أن يلاحظ عامل تحسن الضرر ، كما إنه إذا تفاقم الضرر نحو
التردي ، كذلك يجب عليه أن يلاحظ ذلك ، فهو في الحالتين عليه أن يتريث ،
وأن يحدد
مقدار الضرر ، بما وصل إليه وقت الحكم (1)


وهذا
ما ذهبت إليه محكمة النقض
السورية في اجتهادها إذ قالت :
«
إن العبرة في تقدير
التعويض هي ليوم الحكم لأن
الضرر إذا كان متغيراً ، تعين النظر فيه على
أساس ما صار إليه عند الحكم ، إذ أن
المسؤول عن هذا الضرر مكلف بجبره بصورة كاملة
ولا يعتبر التعويض كافياً لجبر الضرر
إذا لم يراع في تقديره قيمته عند صدور الحكم
(1



ويبدو
أن هذا الرأي مستمد من
الاجتهاد الفرنسي الذي نحا هذا المنحى ،
واستقر على أن يكون التقدير على أساس
القيمة ليوم الحكم


وقد
قالت محكمة النقض الفرنسية
:


l’indemnité nésessaire pour compenser
le préjudice doit être calculée sur la valeur du dommage au jour du jugement ou
de l'arrét qui consacre la creance indemnitaire de la victime (1)
ومفهوم هذا القرار :
أنه يجب أن يراعى في تعويض المصاب ، قيمة
الضرر
عند صدر الحكم



فمحكمة
النقض الفرنسية فيما يتعلق بالمسؤولية التقصيرية ،
إذن
أخذت بمبدأ وجوب التعويض استناداً لتكاليف الأضرار يوم صدور الحكم (2
)


كما ويقول هنري لالو في كتابه نبذة /185/ ما معناه:


« أنه وإن كانت الأحكام معلنة للحقوق وكان الالتزام بالتعويض قد نشأ ووجد قبل الحكم إلا أن مبلغ التعويض
يأخذ
مبدأه الزمني يوم صدور الحكم »


كما
أخذت بهذا الرأي محكمة النقض المصرية في
حكمها
إذ قالت : « إذا كان الضرر متغيراً تعين على القاضي عند الحكم بالتعويض النظر
في هذا الضرر ، لا كما كان عندما وقع ، بل كما صار إليه عند الحكم ،
مراعياً
التغيير في الضرر ذاته ، من زيادة راجع أصلها إلى خطأ المسؤول ، أو نقص
كائناً
ما كان سببه ، ومراعياً كذلك التغيير في قيمة الضرر بارتفاع ثمن النقد أو
انخفاضه ،
وبزيادة أسعار المواد اللازمة لإصلاح الضرر أو نقصها ، وذلك أن الزيادة في
ذات
الضرر الذي يرجع أصلها إلى الخطأ ، أو النقص فيه أياً كان سببه غير منقطعى
الصلة به
،
أما التغيير في قيمة الضرر فليس هو تغييراً في الضرر ذاته ، ولما كان المسؤول
ملزماً يجبر الضرر كاملاً ، فإن التعويض لا يكون كافياً لجبره ، إذا لم
يراع في
تقديره قيمة الضرر عند الحكم به، ومن ثم فلا وجه للقول بأن تغير القيمة لا
يمت
للخطأ بصلة ، ولا وجه للقول بأن تغير القيمة لا يمت للخطأ بصلة، ولا وجه
كذلك للقول
بأن المضرور ملزم بالعمل على إصلاح الضرر ، فإن تهاون كانت تبعة تهاونه عليه
، لأن
التزام جبر المضرور واقع على المسؤول وحده ، ولا على المضرور أن ينتظر حتى
يوفي
المسؤول التزامه (1


ويبدو
أن هذا المعيار في تحديد التعويض عن الضرر المتغير
أو
المتحول واحد سواء أكانت المسؤولية تقصيرية أو عقدية



ولكن
هل سلطان القاضي
مطلق في تغيير التعويض ومتى؟ وما هو حكم هذا
التغيير إذا طرأ على الضرر بعد صدور
الحكم ؟


سلطة
محكمة الموضوع في تقدير التعويض مطلقة ولا رقابة لمحكمة النقض
عليها إلا في حدود العناصر التي اعتمدها قاضي الموضوع في تقدير التعويض ،
كملاحظة
ما فات المضرور من ربح ، وما لحقه من خسارة والظروف الملابسة، فلئن كان
لقاضي
الموضوع سلطان مطلق في تقدير الضرر ، بيد أنه لا يستطيع أن يغفل هذه
العناصر التي
هي المعايير الكفيلة بجبر الضرر ، والتي يجب أن تدخل في حساب التعويض ، إذ
هي من
المسائل القانونية التي تقع تحت سلطان رقابة محكمة النقض ، لأن هذا يعتبر
من قبيل
التكليف القانون للواقع (2)


وبالتالي
يكون لمحكمة النقض سلطة العمل على تصحيحه
فتستبعد
من التعويض المقضي به ما ترى محكمة الموضوع قد أدخلته في التقدير على
الأساس الخاطئ (1) .
فمحكمة الموضوع إذن ذات
سلطان في تقدير التعويض، ضمن الحدود
التي رسمها القانون ، والتي يستمد منها القاضي
قناعته لتحديد مقدار التعويض عن
الضرر ، فتعمل بنفسها على تقدير الضرر على
النحو الذي تراه في المسائل التقديرية ،
بيد
أنها يجب عليها أن تسعين برأي الخبراء الاخصائيين في الأمور الفنية التي تحتاج
إلى خبرة (2) .
ولها بعدئذ أن تعمل بالخبرة
أو أن تهملها ، شريطة أن تعلل سبب
الإهمال
.



يخلص مما تقدم :


أن
تغيير الضرر يبقى مقبولاً ويسيراً قبل صدور
الحكم
بالدرجة الأخيرة ولكن ما هو الرأي إذا تغير الضرر بين فترة صدور الحكم
البدائي ، والحكم الاستئنافي ، فهل لطالب التعويض أن يتقدم بطلب إضافي ؟ وهل
هذا
الطلب الإضافي يعتبر من الطلبات الجديدة ؟
إن المادة (158) من
قانون الأصول
المدنية في سورية أجازت الطلب العارض فقالت
:



« للمدعي أن يقدم من الطلبات العارضة


آ
) ـ ما يتضمن تصحيح الطلب الأصلي أو تعديل موضوعه لمواجهة ظروف طرأت
،
أو تبينت بعد رفع الدعوى



ب)
ـ ما يكون مكملاً للطلب الأصلي أو مترتباً عليه
أو
متصلاً به بصلة لا تقبل التجزئة الخ
. . »


إن
هذا النص مطلق فالطلب العارض
مقبول ، لطالما أنه لا يشكل طلباً جديداً ،
فطلب الزيادة في التعويض أمام محكمة
الدرجة الثانية ، لا يعتبر من قبيل الطلب
الجديد لأن طلب الزيادة في التعويض لظروف
طرأت
على الضرر ، فبدلته تفاقماً أو تناقصاً إنما هو طلب مكمل للطلب الأصلي ؛
وبالتالي جائز على ما نصت عليه الفقرة (ب) من المادة (158) والمادة (238)
من قانون
أصول المحاكمات المدنية في سورية فلئن كانت المادة (238) من الأصول المدنية
ترفض
الطلبات الجديدة أمام محكمة الاستئناف وخوّلت المحكمة أن تحكم من تلقاء
نفسها بعدم
قبولها .بيد أنها أجازت تقديم ما يضاف إلى الطلب الأصلي ، وما يزيد من
التضمينات
بعد صدور الحكم المستأنف، إذ يعتبر طلباً إضافياً وليس بطلب جديد (1) .
التعويض
المبدئي والنفاذ المعجل :


ذكرنا
فيما سبق ، أن القاضي يملك فرض تعويض مبدئي
موقت
لطالما إن الضرر لم يتحدد بعد ، ويحسم من التعويض النهائي عند الحكم



والمسألة
الجديرة بالبحث موقف القضاء من النفاذ المعجل ، فهل يملك القاضي
إعطاء حكم التعويض الموقت أو النهائي صيغة النفاذ المعجل ؟


القاعدة
العامة في
تنفيذ الأحكام عندنا ، ما نصت عليه المادة (289) من الأصول المدنية وهي


« 1- لا يجوز تنفيذ الأحكام جبراً ما دام الطعن
فيها بالاستئناف جائزاً ، إلا إذا كان
النفاذ المعجل منصوصاً عليه في القانون أو
محكوماً به



نجد
في هذه المادة أن
الاستثناء ورد رعاية للمضرور ، إذ قد تقضي
المصلحة العامة أن يقوم بتنفيذ الحكم
الصادر لمصلحته دون أن ينتظر إجراءات الطعن
التي قد تطول ، وهو بحالة تستدعي العجلة
لإصلاح
ضرره ، إذ بإهمال هذا الإصلاح قد يتفاقم الضرر

.
وهذا الاستثناء ملاحظ
في
التشريعات في كل أمر ضروري مستعجل تستدعيه الحاجة ، كما هو الشأن في المادة
(13) من
المرسوم التشريعي رقم (49) سنة (1962) الذي أجاز تنظيم جداول للعمال
المفصولين من
عملهم لدفع نسبة (80%) من أجورهم إلى أن تبت لجنة التسريح في الدعوى
المعروضة عليها



كما
إن المشرع أجاز للزوجة التي تطالب بالنفقة ، أن تسلف مبلغاً ما على حساب
النفقة ، وهو ما نصت عليه المادة (82) من الأحوال الشخصية ؛وهذا مستمد من
طبيعة
الأحكام في المواد المستعجلة ، إذ تقتضي الضرورة العجلة في تنفيذها


ولئن
كان
قانون الأصول أجاز في مادته (292) للمحكمة أن تحكم بالنفاذ المعجل مع
الكفالة أو
بدونها في الأحوال التالية :


1- إجراء الإصلاحات العاجلة
.



2- تقرير نفقة مؤقتة
أو نفقة واجبة
.


3- أداء أجور الخدم أو الصناع أو العمال أو
مرتبات
المستخدمين .


فنحن
نميل إلى أن الحكم بالتعويض المؤقت أو النهائي، يجوز تشميله
بالنفاذ
المعجل ، باعتبار إن التعويض عن الضرر إنما له صفة الاستعجال ، لإصلاحه
وخاصة في التعويض المؤقت؛ وهذا ما توجيه المادة (290) من الأصول المدنية
التي تنص
:
«
النفاذ المعجل بغير
كفالة واجب بقوة القانون في الأحوال التالية

:
1-
الأحكام الصادرة في
المواد المستعجلة أياً كانت المحكمة التي أصدرتها ، وذلك ما لم
ينص في الحكم على تقديم الكفالة الخ وهذا
أمر بديهي يوجبه منطق
الأشياء


فلئن
أجاز القانون في المادة (292) من الأصول ، الحكم بالنفاذ المعجل
في إجراء الإصلاحات الضرورية ، فمن باب أولى أن تشمل الإصلاحات الجسدية ،
كالتداوي
أو إجراء العملية الجراحية لإصلاح الخطأ بالنفاذ المعجل ؛ ذلك إن هذا
الإصلاح للضرر
قد يمحوه إذا أعطى صيغة النفاذ المعجل ، أو قد يحول دون تفاقمه ، إذ
التأخير
بتنفيذه ، وسلوك إجراءات الطعن العادية فيه أمر يزيد الخطر ، ويحكم على
إصلاح الضرر
باليأس ، وهذا ما يتنافى مع المصلحة العامة التي قصد الشارع حمايتها .

descriptionالمسؤولية الطبية للطبيب Emptyرد: المسؤولية الطبية للطبيب

more_horiz
التضامن
وتعدد المسؤولين في التعويض



التضامن
في التعويض يختلف في
المسؤولية العقدية ، عنه في المسؤولية
التقصيرية، ففي المسؤولية العقدية إذا التزم
عدة
أطباء بالتزامات مختلفة بعلاج مريض، كان كل طبيب مسؤول عن التزامه في حدود
العلاج الذي نصح به للمريض ووصفه له، فطبيب القلب الذي يحتاج مريضاً مصاباً بالقلب،لايسأل عن خطيئة الطبيب الجراح الذي أدت عمليته إلى إصابة المريض
بشلل



ذلك
إنه لا محل للقول بوجود التضامن بينهم ، على اعتبار أن التزاماتهم تجاه
المريض مختلفة


في
حين إنه على العكس ، يكون التضامن قائماً بينهم إذا اجتمع
عدة
أطباء لأداء التزام معين ، وأخطأوا في التشخيص، أو أهملوا العلاج ، ونجم عن ذلك
ضرر للمريض ، فإنهم جميعاً متضامنون ، في مسؤوليتهم تجاه المريض ، وتكون
مسؤوليتهم
متساوية ، أو يعين القاضي نسبة مئوية لكل واحد منهم ، وهذا ما جنحت إليه
المادة
(170) من القانون المدني السوري إذ نصت : « إذا تعدد
المسؤلون عن عمل ضار كانوا
متضامنين في التزاماتهم بتعويض الضرر،وتكون
المسؤولية فيما بينهم بالتساوي إلا إذا
عين القاضي نصيب كل منهم في التعويض »


فالضرر
إذا نشأ إذن عن عدة أشخاص ،
فالتضامن السلبي يكون قائماً بينهم في حالتين : 1- إذا كان هنالك اشتراك في العمل كاشتراك عدة أطباء في معالجة مريض .
2-
إذا كان من المستحيل
تعيين نسبة ما
أحدثه كل طبيب من ضرر


فتعدد
المسؤولين هنا ، يجعل كل طبيب مسؤولاً ومدعى عليه
ويجعلهم
متضامنين في المسؤولية ، وما داموا متضامنين ، فإن المدعي يستطيع أن يقيم
الدعوى عليهم جميعاً ، كما يستطيع أن يختار منهم من يشاء ، فيقصر الدعوى
عليه دون
غيره ، ويطالبه بالتعويض كاملاً ، ذلك إن التضامن يقضي بأن كلاً منهم يكون مسؤولاً ، قبل المضرور عن التعويض كله، ثم
يرجع من دفع التعويض على الباقي كل بقدر
نصيبه
، وبحسب جسامة الخطأ الذي ارتكبه ، أو بالتساوي على النحو الذي ذكرناه ، وهذا
مستمد من المادة (285) من القانون المدني كما إن محكمة النقض السورية أقرت
هذه
النظرية في اجتهادها الصادر في 19/آذار/1963 إذ قالت
:



« إن تعدد المسؤولين عن العمل
الضار لا يمنع المضرور من مطالبة المتضامنين مجتمعين ، أو منفردين بالتعويض ،
توفيقاً لأحكام المادة (285) من القانون المدني الخ(1
.



أما
إذا كان من الممكن
تعيين محدثي الضرر ، من وقع منهم الفعل الضار
رغم تعددهم ، كوجود عدة أطباء في
اختصاصات مختلفة ، لمعالجة مريض لعدة أمراض
مختلفة ، فإذا توفي المريض أثر زرقة زرق
بها
من قبل طبيب من المتعددين، وكان الوفاة بسبب هذه (الزرقة) ، ففي هذه الحالة لا
يسأل الأطباء هنا مطلقاً على وجه التضامن ، إنما المسؤول هنا الطبيب الذي
ألحق
الضرر بخطئة


ولكن
ما هو الرأي في حال تعدد المسؤولين عن ذات الضرر مع اختلاف
أسباب
المسؤولية ؟



آ
) ـ كأن يكون بعضهم مسؤولاً على أساس العمل غير المشروع



ب)
ـ والبعض مسؤولاً على أساس التعاقد



ج)
ـ والبعض الآخر مسؤولاً بمقتضى
القانون
.



ففي
هذه الحالة ، يراعي القاضي نسبة مسؤولية كل واحد، ومقدار الخطأ
الصادر عنه ، وأثره في إحداث الضرر ، بيد أن القانون السويسري عالج في
المادة (51
) من قانون الالتزامات مثل هذه الحالة بصراحة تامة ، فقال : بمسؤولية كل واحد
منهم عن
تمام الضرر .
أما فيما يتعلق بعلاقة
المسؤولين فيما بينهم ، فيسأل أولاً عن
الضرر من أحدثه بالعمل الغير مشروع ، ثم يقع
على من أحدثه بالإخلال بالعقد ،
وأخيراً تقع المسؤولية على عاتق من يسأل عنه
بمقتضى نص في القانون



أما
عندنا
فنطبق نص المادة (170) من القانون المدني
:



أما
في نطاق المسؤولية التقصيرية ،
فإن القانون المدني الفرنسي ،لم ينص على تضامن
المسؤولين عن الفعل الضار ، ولم يكن
من محل التطبيق أحكام التضامن التي ذكرناها في
النطاق العقدي ، إذ ليس ثمة من عقد
في المسؤولية التقصيرية ، وكان هذا مدار جدل
ونقاش انتهى بأغلب الفقهاء إلى القول
: إلى اعتبار كل من اشترك في إحداث الضرر فإنه
فاعل له ويلزم بالتالي بالتعويض عنه
كاملاً


وفي
هذا يقول أوبرى و رو
:


chacune des personnes qui ont
participe
au délit est considérée comme étanté intividuellement l'auteur du dommage
qu'elle
acausé et se doit par conséquent a la rêpartion integrale
وللمضرور أن يختار
مطالبة أحد المسؤولين بتعويضه الكامل دون إلزام بإدخال
الشركاء
في المسؤولية (1
)


وجرى
تعبير محكمة النقض الفرنسية بأنه
: Entre chaque faute et la totalité du
dommage une (1)relation directe et nécessaire
وإن غالبية تلك الأحكام
تشير إلى عدم قابلية الخطأ للانقسام ما يعني أن

: chacun est tenu au tout parce que chacun est cause du tout
والمقصود به هو ما يترتب على ما وقع من خطأ ، وبمعنى آخر هو ذلك الضرر غير القابل للانقسام ،
لحدوثه
نتيجة لكل الخطأ معاً (2)


أما
إذا أمكن تحديد الضرر ، الذي تسبب فيه أحد
الأخطاء
بالذات ، كما لو أحدث نصف الضرر بالتعيين ، فلا يسأل الفاعل إلا عن ذلك
المقدار (3)


شروط التضامن بين المسؤولين المتعددين :


يشترط
لقيام التضامن
بين المسؤولين المتعددين :أن تتحقق بين كل خطأ والتعويض عنه الرابطة السببية التي
لا بد من قيام صلة سببية مباشرة وبهذا يلتزم كل إنسان بكل خطأ صدر عنه ،
باعتباره أنه السبب في حدوثه ، فإذا كانوا مرتكبو الخطأ متعددين يجب أن
يتحقق
الشروط التالية :


1- أن يكون كل منهم قد ارتكب خطأ


فخطأ
الطبيب لا يمكن أن
يسأل عنه ورثته في حال وفاته ، لأنهم لم
يقترفوا أي خطأ ، كما إنهم لم يشتركوا معه
في
مهنته ، وبالتالي فإن ورثته غير متضامنين معه في المسؤولية، إلا أنهم مسؤولون عن
دفع التعويض ، كل في حدود نصيبه من التركة (1)


2- أن يكون الخطأ محدثاً ومعترفاً
به من قبل كل منهم، والخطأ الصادر عن واحد منهم فقط ، فلا يسأل عنه إلا
محدثه دون الباقين


3- أن يكون الضرر الذي أحدثه كل منهم بخطئه ، هو
ذات الضرر
الذي أحدثه الآخرون ، أي أن يكون الضرر الواقع منهم واحداً


هذه
الشروط إذا
توفرت ، كان المسؤولون متضامنين فيما بينهم بصرف النظر عن جسامة الأخطاء ،
وطبيعتها
وثبوتها ، أو اعتبارها مفترضة .


وفي
فرنسا تميل المحاكم رغم سكوت النص ، إلى
اعتبار
المسؤولية التقصيرية موجبة للتضامن بين المسؤولين ، استناداً إلى عدم
جواز تجزئة الخطأ ، بعكس الحال في المسؤولية التقصيرية، لأن التضامن لا
يفترض وهي
من ذلك تفرق بين المسؤولية بالتضامن ، والمسؤولية المجتمعة l ’ obligation in solidum , l’ obligation solidaire (1) .
المسؤولية المجتمعة


هل يتصور فيالمسؤولية الطبية قيام المسؤولية
المجتمعة ؟



عرف
الفقهاء المسؤولية المجتمعة
فقالوا هي التي تقوم على أساس مسؤولية عدة أفراد عن أمر واحد، لأسباب مختلفة، فالمسؤولية فيما بينهم في هذه الحالة هي مجتمعة كاملة ، ولكن
دون
تضامن (2) »


« كما إذا تعددت مسؤولية الأشخاص ، فبعضهم » «
مسؤوليتهم
ناجمة عن خطأ عقدي ، والآخرون عن خطأ تقصيري
»



فما
هي مسؤولية الأطباء
الذين يخطئون تجاه مريض عند معالجتهم له
فيلحقون به الضرر لأسباب مختلفة ؟ فهل
مسؤوليتهم هنا مجتمعة أم إنها مسؤولية تضامنية
؟ إذا أخذنا بنظرية المسؤولية
المجتمعة فإننا نجد : أن كلاً من الأطباء إذا
تسبب في الضرر ، ملزم بالتعويض كاملاً
وفق ما يؤدي إليه تطبيق قواعد المسؤولية
المجتمعة والسببية ؛ فما يقع من المسؤولين
عند
تعددهم في هذه الحالة غير قابل للانقسام مع تعذر تحديد قدر ما ساهم به كل منهم
فيه ، ففي هذه الحالة يكون المسؤولون عند تعددهم داعياً إلى القول
بمساءلتهم
مسؤولية مجتمعة ، إذ لم يكن في القانون الفرنسي من نص على التضامن، عندما
يتعدد
المسؤولون عن عمل ضار . وقد جاءت بعض الأحكام بإلزام كل المسؤولين عند
تعددهم
بالتعويض كاملاً دون تطبيق آثار التضامن التام بينهم كالحكم التالي :



«attendu qu’il n'existe aucune solidarité entre eux (les coauteurs) puisque
chacun d'eux a commis une faute distincte et personnelle mais attendu qu’ils
sont l’un et l’autre responsables de toute le prejudice qu’il, sont consequence
de dire convient, en consequence de dire qu'ils sont tenus chacun personnellement
pour le tout (1) .»
وترجمته : حيث أنه لا
يوجد أي تضامن من بين مرتكبي الفعل باعتبار
أن
كلاً منهم ارتكب خطأ شخصياً مستقلاً ، وعلى ذلك فكل منهم مسؤول عن كل الضرر ومن
ثم يلتزم بتعويضه كله


وفيصل
التفرقة بين أن تكون المسؤولية تضامنية أو مسؤولية
مجتمعة
، هي : إن المسؤولية المجتمعة هو : أن يجتمع مسؤول عن خطأ عقدي مع مسؤول عن
خطأ تقصيري في أمر واحد ، وأثر هذه التفرقة ، إن ترتب مقدار الضرر يختلف
بين
المسؤولين مسؤولية مجتمعة


ففي
المسؤولية المجتمعة
: يسأل مرتكب الخطأ القصدي عن الضرر المتوقع فحسب ، بينما مرتكب الخطأ
التقصيري يسأل عن الضرر المتوقع وغير
المتوقع
.
لذلك لا يمكن القول :
بترتب المسؤولية التضامنية ، في حالة المسؤولية
المجتمعة
، ولا العكس أيضاً ، لاختلاف الآثار بين المسؤولين



ففي
المسؤولية
المجتمعة : يكون كل منهما مسؤولاً عن تعويض ضرر واحد تعويضاً كاملاً وهذه
ليست
مسؤولية بالتضامن solidarite وقد قررت محكمة النقض الفرنسية مفهوم
المسؤولية
المجتمعة فيما يلي :


Que chacun des coauteurs d'un même
dommage,consequence de leurs fautes respectives doit être condamné in solidum à
la réparation de l'entier dommage (1)
ومفهوم هذا الاجتهاد :
إن كل من الفاعلين والشركاء في
إحداث الضرر الناجم عن أخطائهم هم متضامون في
إصلاح الضرر للغير



والخلاف
بين
مفهوم المسؤولية المجتمعة والمسؤولية بالتضامن بين الأطباء يظهر بما يلي :


1- إن المسؤولين بالتضامن يمثل بعضهم بعضاً فيما
ينفع لافيما يضر
.


2- إقرار أحد المسؤولين
بالتضامن بالدين ، يقتصر عليه ولايسري في حق الباقين

.
فالطبيب الذي يقر بإنشغال ذمته تجاه المريض ، أو ورثته فيما ألحقه من ضرر ، ولا يسري هذا
الإقرار
على باقي الأطباء الذين اشتركوا معه في الخطأ


3- إذا تصالح المريض مع أحد الأطباء
المسؤولين بالتضامن فيما ألحقوه من ضرر به وتضمن الصلح الإبراء من التعويض
،
فإن هذا الصلح يستفيد منه باقي الأطباء المشتركين معه ، ولا ينفذ هذا الصلح إذا
زاد في التزاماتهم إلا فيما يقبلونه
.



4- إذا نكل أحد الأطباء المسؤولين بالتضامن عن اليمين الذي وجهت إليه ، فلا يضار الباقون بها


5- إذا صدر حكم على أحد
المسؤولين بالتضامن فلا يحتج به على الباقين ، على خلاف ما إذا كان الحكم
صادراً لمصلحة أحدهم فيستفيد منه الباقون ، إلا إذا كان الحكم مختصاً
بمسؤول معين ،
ومبنياً على سبب خاص به


6- إذا انقطع التقادم ، أو أوقف بالنسبة إلى أحد الأطباء المسؤولين بالتقادم ، فلا يجوز للمريض أن يتمسك بذلك بالنسبة إلى
الباقين



7- إذا قاضى المريض أو ورثته أحد الأطباء
المتضامنين أو أعذره فلا يسري ذلك
على باقي المسؤولين


8- وهكذا تبين لنا إن المسؤولية المجتمعة ، تختلف
عن
المسؤولية في حال تعدد المسؤولين ، ولعل الخلاف نشأ في القانون الفرنسي ،
من عدم
وجود نص على التضامن عند تعدد المسؤولين ، لذلك أخذ الفقه والقضاء في فرنسا بالمسؤولية المجتمعة in solidum (1).
وجنحت مصر قديماً في
قضائها المختلط في بعض
أحكامها بأنه في حال تعدد المسؤولين ، فالمسؤولية
بينهم مجتمعة، لا تضامنية (2) ومع
ذلك فإنه وإن كان للمضرور أن يقيم الدعوى على
أحد المسؤولين ويطالبه بالتعويض
كاملاً منه، بيد أن لهذا المسؤول أن يقيم
الدعوى على الباقين ، ويرجع عليهم كلاً
بقدر نصيبه (1)


إنما
هذا الاتجاه فيه إهمال لنص القانون المصري القديم الذي نص
على
التضامن بين المسؤولين ، وقد أخذ القانون المصري الحديث بالتضامن بين المسؤولين
،
ونقل عنه القانون السوري نصه حرفياً



وأضحى
الاجتهاد عندنا يقضي بالتضامن بين
المسؤولين، لا بالمسؤولية المجتمعة ، كما مر
معنا سابقاً ، ففي المسؤولية بالتضامن،
تقوم العلاقة بين المضرور والمسؤولين
المتعددين ، أما فيما بين المسؤولين المتعددين
أنفسهم
فيقسم التعويض بينهم بحسب جسامة الخطأ على الرأي السائد في القضاء (2
)


ذلك
إنه في توزيع التعويض يلاحظ أهمية السبب في إحداث الضرر ، وهذا ما جنحت
إليه محكمة النقض السورية في قرارها الصادر 31(تشرين الأول)1964 إذ قالت :


« في حال تحديد وتوزيع المسؤولية التقصيرية عند تعدد الأخطاء يتعين التفريق بين السبب العارض الذي لم يكن له أهميته في حدوث الضرر ، وبين السبب المنتج الذي أحدث هذا الضرر »(1).


مسؤولية الجماعة عن الخطأ :


الجماعة
التي
تتمتع بكيان قانوني تعتبر ذات شخصية معنوية ، وهذه الشخصية المعنوية كالشخص
الطبيعي
فهي إذ تتمتع بأهلية التقاضي ، يترتب لها حقوق ، ويتوجب عليها التزامات ،
فهي إذن
تخضع لقواعد المسؤولية ؛ بيد أن هذه المسؤولية هي مدنية وليست جزائية .
فجمعية مكافحة السل في حلب مثلاً ، تتمتع بشخصية معنوية فهي إذن تعتبر مسؤولة عن
تصرفاتها
إذا ألحقت الضرر بالغير


فإذا
ضمت إلى مستشفاها مريضين ، وأهملت علاجهم أو
أخطأت
في تشخيص أمراضهم وألحقت بهم الضرر، فهي مسؤولة عنهم ، ويتناولها التعويض عن
خطئها .
ففي هذه الحالة تقام
الدعوى على الشخصية المعنوية ، أي على ممثلها وهو
المدير
باعتباره ممثلاً وتابعاً لها ، فهو مسؤول عن أعماله الشخصية بوصفه المدير
لهذه الجمعية .
ويثور الخلاف حول صعوبة
تعيين الأساس القانوني في مسؤولية الشخص
المعنوي .
فهل هي مسؤولية تقوم
على أساس المسؤولية الشخصية أم أنها تقوم على
أساس
المسؤولية عن فعل الغير ؟



فالفعل
لا يتصور أن يصدر إلا عن شخص حقيقي،
والمبدأ القانوني السائد فقهاً وقضاءً ، أنه
لا يقبل تنصل مقترف الخطأ عن المسؤولية
، وعن الضرر الذي يلحقه بالغير
بحجة إنه يعمل للغير ، وإن تصرفاته مضافة إلى الشخص
المعنوي
، ففي هذه الحالة تسأل الشخصية المعنوية عن الضرر الذي لحق بالمرضى الذين
ضمهم إلى مستشفاها ، ثم هي بدورها ترجع على الأطباء الذين أهملوا المرضى ،
أو
ألحقوا الضرر بهم باعتبارهم تابعين لها
.
أما دوائر الإسعاف
العام التي هي خاضعة
لوزارة الصحة ذات الشخصية المعنوية ؛ فهذه لا
تسأل عن أعمال جراحي وأطباء
المستشفيات الخاصة لأنهم غير تابعين لها (1)
على خلاف أطباء الصحة أو أطباء
المستشفيات الحكومية ، فالدولة كشخص معنوي أو
الوزارة ، مسؤولة عن تصرفات أطبائها
المعينين من قبلها أو الخاضعين لرقابتها .


وأساس
المسؤولية عن عمل الغير التابع
، إنها مبنية على واجب كل امرئ
أن يراقب الأشخاص المشمولين برعايته ، ليحول دون
ارتكابهم
أخطاء تضر بالغير ، فإذا قصر في هذه الرقابة ونشأ عن ذلك ضرر للغير ، كأن
ترتّب على ذلك مساءلة بالتبعية وفقاً للقواعد العامة ، بمعنى أنه مسؤول عن
تقصيره
الشخصي سواء أكان شخصاً طبيعياً أم شخصاً معنوياً.



حق المطالبةبالتعويض


تقدم
معنا أن صاحب الحق في مطالبة التعويض هو المضرور نفسه ، هذا إن
كان المضرور على قيد الحياة . أما إذا توفي نتيجة خطأ الطبيب فمن له الحق
في هذه
الحالة بالمطالبة بالتعويض ؟ أو بالأحرى لمن ينتقل حق المضرور ؟ ومن هو
صاحب الحق
للمطالبة بالتعويض ؟


الأصل
أن ورثة المضرور هم أصحاب الحق في المطالبة بالتعويض
،
بيد أننا نجد حالات ينتقل فيه حق المطالبة بالتعويض إلى الورثة الخلف العام ، أو
إلى الغير ، كشركة التأمين ، أو إلى رب العمل ، أو إلى الدولة ، كما ويختلف
الأمر
بالانتقال ، بين التعويض المادي ، أو التعويض الأدبي


فالمريض
الذي يصاب بضرر
من جراء عملية جراحية بلغ الضرر فيها حداً مات
به ، فإن الضرر الأدبي هنا يختلف بين
الضرر الذي أصاب الميت نفسه ، ويراد أن ينتقل
حق التعويض عنه بموته إلى ورثته ،
وبين الضرر الذي أصاب أقارب الميت وذويه في
عواطفهم وشعورهم من جراء موته (1
)


فالضرر
الناجم عن الوفاة هو مبدئياً الضرر الذي أصاب الميت نفسه ، ولما كان
الضرر الأدبي لا ينتقل بالميراث إلا إذا حدد
بمقتضى اتفاق ، أو أقيمت به الدعوى من
قبل الدائن أمام القضاء ، وحيث أنه في هذه
الحالة لا يتصور تحققها ، ذلك أن الضرر
الأدبي هنا هو موت المضرور الشخص نفسه ،
فيستحيل أن يتم الاتفاق على التعويض مع
المتوفى نفسه ، كما أنه يستحيل أيضاً أن يطالب
المضرور (الميت) بدعوى التعويض أمام
القضاء


وهكذا
نجد أن الضرر أول ما يتأثر به ذوي الميت بطريق مباشر وهؤلاء هو
الذين يجوز لهم الحكم بالتعويض ، ويقتصر على الزوج الحي ، وأقارب الميت إلى
الدرجة
الثانية ، وهم أبوه ، وأمه ، وجده ، وجدته لأبيه ، أو لأمه ، وأولاده ،
وأولاد
أولاده وأخوته ، وأخواته ، والتعويض لا يوزع عليهم إنما يحكم به القاضي لمن
أصاب
منهم ألم حقيقي بموت المصاب ، هذا هو الحكم في الضرر الأدبي


أما
الضرر المادي
فيحكم به للأقارب الذين كان الميت يعيلهم فعلاً أو من كان له حق النفقة على
الميت ،
وهذا مستمد من نص المادة /223/ من القانون المدني إذ جاء فيها :


1- يشمل التعويض
الضرر الأدبي أيضاً ، ولكن لا يجوز في هذه الحالة أن ينتقل إلى الغير إذا
تحدد بمقتضى اتفاق أو طالب الدائن به أمام القضاء


2- ولا يجوز الحكم بالتعويض إلا
للأزواج والأقارب إلى الدرجة الثانية عما يصيبهم من ألم من جراء موت
المصاب.


وعلى
ضوء هذه المادة فإنه لا يحكم بالتعويض عن الضرر
الأدبي
لأولاد
الأخوة والأخوات ، ولا الأعمام والأخوال ، والعمات والخالات ولا لأولادهم ،
ولا
للخطيب أو الخطيبة ، ولا للخليلة ، ولا للأصدقاء مهما كان المتوفي قريباً
إلى
نفوسهم ، وغاية المشرع في ذلك حصر نطاق الأقرباء وتعيينهم ، ذلك للحد من
التزاحم في
استغلال الميت .


وقد
جنحت محكمة النقض السورية في هذا الخصوص إلى القول

: (1)



« إن من آثار هذه المسؤولية التعويض عن الضرر
المادي المنبعث عن فقد
الميت ، أثمن شيء مادي وهو الحياة ، والتعويض
عن الضرر الأدبي الذي أجاز
المشرع الحكم بهللأزواج ، والأقارب إلى الدرجة
الثانية ، عما انتابهم من
ألم حقيقي من جراء موت المصاب وإن التعويض المادي ، وإن كان ينتقل إلى
خلفاء المصاب من الورثة كل بقدر نصيبه من الإرث ، غير إن التعويض الأدب
الذي لم يطالب به المصاب أمام القضاء ، يبقى قاصراً على هؤلاء الأشخاص المعينين ، الذي يحق لهم المطالبة به ، على
اعتباره حقاً شخصياً ، يعطى لكل
منهم بنسبة ما انتابه من الغم والأسى والحزن ،
عملاً بأحكام المادة /223/ من
ق.م
»



أما
في حال عدم الوفاة فلا نجد أن النص في القانون المدني تعرض لحصر
الأشخاص في المطالبة ، أو انتقال التعويض إليهم عن الضرر الأدبي ، إنما ترك
الأمر
لتقدير القاضي ، والواقع إن الضرر الأدبي في هذه الحالة يكاد يكون محصوراً
في الأب
والأم .


إسقاط المريض حقه من التعويض قبل الوفاة :


إذا
أصيب المريض نتيجة
لعملية جراحية ، أو لمداواة بضرر ناجم عن خطأ
الطبيب ، ثم تنازل عن حقه بالمطالبة
بالتعويض تجاه المسؤول عنه ، فهل يؤثر هذا التنازل
على حقوق المتضررين في حال وفاة
المريض بعد فترة ، نتيجة لخطأ الطبيب ؟


يبدو
أن المريض له ملء الحق بالتنازل عن
الضرر الملحوظ الذي أصابه قبل الوفاة فأقعده
عن العمل ، أو ألحق به عاهة
دائمة.


أما
في حالة الوفاة ، فقد نشأ عنها حقوق أخرى شخصية تتعلق مباشرة
بالمتضررين
، أقربائه أو ورثائه ، وهذه الحقوق مستقلة تمام الاستقلال عن حقوق
المريض التي تنازل عنها ، ولذلك فإن تنازله عنها لا يشمل حق الخلف (1) لأن
هذا
التنازل لا يسري إلى من أعطاه وبالتالي فلا يتجاوزه إلى حقوق الغير


ويثور
هنا
السؤال التالي هل التعويض عن الوفاة يخضع لضريبة التركات ؟ أو هل هو
بالأحرى جزء من
التركة ؟


المعروف
أن التكييف القانوني للتعويض عن الوفاة أنه ليس ثمناً للمتوفى
حتى يدخل في عداد التركة ، إنما هو لقاء الآلام والأضرار المادية التي يصاب
به
أقرباء المتوفى أو ذووه ، من جراء فقدانهم رب أسرتهم أو معيلهم ، فهذا
التعويض هو
بلسم لهم عساه يخفف عنهم بعض آلامهم ، ويساعدهم في محنتهم ، وبالتالي ليس
يحق
للمتوفى ، إنما هو حق لهم ، وهو إذن ليس بجزء من التركة ، ولا سلطة لمصفي
التركة ،
أو وكيل التفليسة إدخاله في جملة الأموال التي يحق لدائني التركة ، أو
الطابق
استيفاء دينهم منها ، كما لا يجوز للمالية أن تستوفي عنها ضريبة التركات


أمانفقات الدفن فالمسألة خلافية فيها .


فبعض
الفقهاء قالوا : بدخولها في حقوق
التركة(1) ، أمثال سافاتيه Savatier .
وخالفه في ذلك (لالو) Lalou فقال : بعدم جواز ذلك، وقد سار الاجتهاد الفرنسي بهذا
الاتجاه (2
)


والواقع
إن هذا الاتجاه
هو الأسلم ، ذلك إن تجهيز الميت أصلاً يقع على
عاتق التركة ، والمبدأ السائد في
الفقه الإسلامي إنه لا تركة قبل تجهيز الميت
وسداد الديون ، بمعنى إن نفقات تجهيز
الميت ترفع من التركة مباشرة وقبل كل شيء
فلطالما إن الورثة كانوا في جميع الأموال
سيتحملون
نفقات الدفن ، فهي إذن ليست نتيجة لحادث الضرر ، لأن هذه النفقات لا تتبدل
،
وهي ملقاة على عاتق الورثة ، أو ذوي الميت مهما كان سبب وفاته ، لذلك فهي لا تدخل
إذن في حقوق التركة

descriptionالمسؤولية الطبية للطبيب Emptyرد: المسؤولية الطبية للطبيب

more_horiz
مطالبة الإدارات العامة والخاصة وأرباب العمل بالتعويض


قد يصاب عامل أو موظف بمرض يمنعه من مزاولة عمله ، فيعالجه طبيب المؤسسة أو المصلحة أو طبيب الدولة ، فيرتكب هذا الطبيب خطأ في العلاج ، أو يجري له
عملية
يرتكب خطأ بها، فيضاعف الضرر بالنسبة إلى المؤسسة أو ينقطع العامل ، أو الموظف عن عمله ، فتدفع للعامل رواتبه كاملة خلال
فترة معينة، ثم ينحدر إلى الدفع إلى نصف
الأجرة
خلال فترة أخرى



وهكذا نجد أن المؤسسة في هذه الحالة تضررت بعدم الاستفادة
من قدرة العامل أو الموظف ، كما إنها تكبدت أجوره دون أي مردود عملي منه
إضافة إلى نفقات تطبيبه .
فهل لها الحق في هذه
الحالة أن تطالب الطبيب المسؤول
الذي ارتكب الخطأ بكامل أضرارها ؟ وهل لها أن
تطالب أيضاً بما دفعته من تعويض إلى
ورثة المصاب في حال وفاته ؟


لقد أقر الاجتهاد الفرنسي (1) أن للإدارات وأرباب العمل
حق مطالبة المسئول بكل ضرر نتج لهم عن الحادث المسبب للموظف ، أو المستخدم ،
وهذا ما يساير مبادئ العدالة .
أما إذا نتج عن خطأ
الطبيب وفاة العامل ، أو
الموظف وكانت الوفاة قد اعتبرت بحكم طارئ
العمل ، مما يجعل رب العمل ملزماً بدفع
التعويض ، وله الحق بالرجوع على المسئول في
حدود ما دفعه ، كما إن ورثة المصاب هم
بالخيار إن شاءوا رجعوا على المسئول بالضرر
مباشرة 0



ولمحكمة النقض السورية اجتهاد في هذا السبيل قالت فيه : (2) إن
التعويض عن المسؤولية المدنية المنبعثة عن
الحادث
يفترق عن تعويض طوارئ العمل ، باعتبار أن حق لورثة العامل الشرعيين ولمن انتابه
الألم من موت المصاب من الأشخاص المبحوث عنهم في الفقرة
الثانية
من المادة /223/ من ق.م في حين إن التعويض عن طوارئ العمل قد يصرف إلى
غيرهم ممن يعيلهم . « وإن هذه الإصابة التي تقتضي قانوناً مسؤولية
شخص آخر
غير رب العمل تجعل المضرور بالخيار في رفع الدعوى على هذا
الشخص
وفي هذه الحالة يبرأ رب العمل تجاه المضرور ، من باب الاستحقاق في تعويض
طارئ
العمل ، إذا حصل على مبلغ يوازي حقه أو يزيد عليه ، ويكون
مسؤولاً أمامه
بالباقي ، فيما إذا قضى له بأقل من حقه في تعويض طوارئ العمل ، تطبيقاً لأحكام قانون العمل »


التأمين على المسؤولية :


قد يرتكب الطبيب خطأ تجاه المريض ويكون هذا المريض شخص مؤمن على حياته
بموجب عقد تأمين على الحياة ، فإذا
توفي المريض نتيجة خطأ الطبيب ، فهل يحق لشركة
التأمين أن ترجع على المسؤول بمبلغ
الجعالة التي دفعتها إلى المستفيد ؟


المعروف إن عقد التأمين على الحياة هو عقد يدفع
بموجبه المؤمن له
l’assuré قسطاً سنوياً لمدة معينة ، حتى إذا حل أجل
العقد حق
للمستفيد استيفاء مبلغ من المال متفق عليه في العقد على أنه إذا توفي
المؤمن له قبل
حلول أجل العقد ، تلزم الشركة بدفع مبلغ الجعالة إلى المستفيد فوراً


فإذا أخطأ الطبيب في معالجة المريض المؤمن له المكتتب ،
وأودى بحياته ، ففي هذه الحالة قد
تضررت شركة التأمين ودفعت جميع الجعالة قبل
حلول أجلها ، وبهذا خسرت الأقساط غير
المستوفاة عن طيلة مدة العقد


فهل تنتقل في هذه الحالة حقوق المريض تجاه المسؤول
عن الضرر إلى شركة التأمين ؟ أي هل تملك شركة التأمين أن تقيم الدعوى على
المريض ؟ فتحل محله وتطالب بجميع الأضرار لحسابها ، باعتبارها إنها قد خسرت
نتيجة
خطأ الطبيب ، وكانت أضرارها ناجمة عن هذا الخطأ ؟


هذه المسألة عرضت على المحاكم في فرنسا فرفضتها معللة ذلك : بأنه
لا يحق للشركة مطالبة المسؤول بالتعويض
عما خسرته من جراء فعله ذلك لأن دفع الشركة
للمبلغ وإن كان بصدد حادث
الوفاة هذا ، إلا أنه كان يمكن أن يحدث مهما
كان سبب الوفاة ، هذا من جهة ـ



ومن جهة أخرى ، فإن شركات التأمين على الحياة عند حسابها وتحديدها
لمقدار
الأقساط لا تأخذ بعين الاعتبار إمكانية ملاحقة المسؤول عن الوفاة »


وهكذا استقر الرأي في فرنسا على عدم جواز ملاحقة شركة التأمين للمسؤول عن
وفاة
الشخص المكتتب بعقد تأمين على الحياة (1) وخاصة بعد صدور قانون 13 تموز
1930 الذي
جاء في المادة /55/ منه


فيما يتعلق بتأمين الأشخاص لا يحق للمؤمن
Assureur
بعد دفع المبلغ المؤمن
عليه أن يحل محل المكتتب
Assuré أو المستفيد في ملاحقة الغير بصدد الحادث .
أما التشريع السوري فقد
جاء خلواً من أي نص يتعلق بجواز حلول شركة
التأمين
على الحياة أو جواز حق الرجوع على المسؤول
عن
وفاة المؤمن عليه
.


انتقالالالتزام بالتعويض :


إذا ارتكب الطبيب خطأ ألحق ضرراً بالمريض ، ثم توفي الطبيب المسؤول عن الضرر قبل أداء التعويض ، فهل ينتقل حق المضرور إلى خلف المسؤول
؟



علما فيما سبق أن التعويض ينتقل على خلفاء المضرور ، ومن المبادئ العامة
أيضاً
أن كل ذمة مالية مهما كان شأنها لها خلف في الحقوق والالتزامات ، فالمشرع
لطالما
أجاز انتقال الحقوق إلى ورثة المضرور ، أو معيله بحكم القانون أو العقد ؛
كذلك أجاز
انتقال الالتزامات بوفاة المسؤول أو بانحلال الشخصية المعنوية قبل أدائها
التعويض
إلى خلف المسؤول ، إذ ينتقل الالتزام بالتعويض من المسؤول إلى خلفائه سواء
في ذلك
الخلف العام Ayant . cause universel أو الخلف بسبب عام
Ayant . cause à titre universel .
وهذا الالتزام بدفع
التعويض إنما يترتب بذمة المسؤول بمجرد نشوء
الضرر
؛ فالطبيب عندما يرتكب خطأ يلحق الضرر به بالمريض ، فإن ذمة الطبيب أضحت
مشغولة تجاه المريض بالالتزام بتعويض هذا الضرر ، ففي حال وفاة الطبيب نفسه
، وهو
المسؤول هنا ، ينتقل الالتزام بتعويض هذا الضرر إلى خلفه ؛ وهذا ما نصت
عليه المادة
/146/ من القانون المدني السوري إذا قالت :


« ينصرف أثر العقد إلى المتعاقدين والخلف العام دون إخلال بالقواعد المتعلقة بالميراث ما لم يتبين من العقد أو
من طبيعة التعامل ، أو من القانون ، أن هذا الأثر ينصرف إلى
الخلف العام "0


أما فيما يتعلق بانتقال الحقوق حسب منطوق هذه المادة ، فقد تقدم معنا بحثه ، وقد علمنا أن التعويض من هذه الناحية ينتقل كاملاً


أما من ناحية انتقال الالتزام فإن هذا الانتقال قد يكون كاملاً ،
وقد يكون غير كامل فينتقل بجزء منه ،
ذلك حسب أحكام الميراث ، إذ لا يلتزم الوريث
بديون مورثه إلا في حدود
ما يؤول إليه
من التركة ، وبنسبة ما يؤول إليه من هذه التركة ، ذلك إنه لا تركة إلا بعد
سداد الديون ، حسب أحكام الشريعة الإسلامية ، فإذا كانت التركة خالية من
الديون ،
فإنها تنتقل إلى الوارث ، فالالتزامات المترتبة من جراء خطأ الطبيب المسؤول
، تدفع
من أموال التركة في حال وفاته أي إن التعويض تدفعه الورثة ، وليس من تضامن
بينهم
لأن خلفاء المسؤول ليس لهم إلا أن يدفع كل منهم في حدود ما آل إليه من تركة
سلفة
المورث .


أما إذا كان المسؤول شخصية معنوية ، كجمعية أو مؤسسة عامة ، أو خاصة وصفيت وحلّت قبل أن تؤدي ما عليها من تعويض ، فالمتضرر له أن يتقاضى حقه من
أموالها
،
وكذلك الشأن في الشركات فإذا قامت شركة بين أطباء وأنشأوا مستشفى ، وألحق هذا
المستشفى ضرراً بمريض ما ، ثم حلت الشركة قبل أن تدفع التزاماتها للمضرور
فللمصفي
في هذه الحالة أن يقوم بدفع الديون المترتبة على الشركة بترتيب مطالبته بها
، وإذا
لم تف أموال الشركة مثلاً ، جاز للمضرور أن يرجع على أموال الشريك بنسبة
نصيبه في
خسائر الشركة ، إذ الشركاء في هذه الحالة ،يسألون عن ديون الشركة في
أموالهم الخاصة
وفقاً للمادة /491/ من القانون المدني السوري
، أما مسؤولية الأعضاء شخصياً فإن
التزامهم فيها لا يتأثر بداهة بتصفية الشركة .


الفصل الثالثالدفوع التيتعترض قبول الدعوى



1-
في التقادم .
2-
في قوة الشي المحكوم
فيه
.
3-
في اشتراط عدم المسؤولية .


التقادم


قد يدفع الطبيب المدعى عليه دعوى طلب التعويض عن المسؤولية بأحد الدفعين الآتيين
:



أولاً ـ إما أن ينكر قيام المسؤولية :


ففي هذه الحالة مثلاً يدعي أن ركناً من أركان
المسؤولية مفقود كالخطأ ، أو
الضرر ، أو الرابطة السببية .أو
إنه يدفع الدعوى المدنية بالوفاء ، أو بالمقاصة
،
أو بالإبراء أو يدفع الدعوى المدنية بوجوب وقفها لطالما إن الدعوى الجزائية
المرفوعة بنفس الواقعة لم يفصل فيها ، فإن هذه الدعوى تقف من سير الدعوى
المدنية
حتى يفصل نهائياً في الدعوى الجزائية، وهذا ما يعبر عنه الفرنسيون Le criminel tient le civil en état أي بما يعرف عندنا بقاعدة (إن الدعوى الجزائية
تعقل الدعوى
المدنية) .

ثانياً ـ الدفع
بالتقادم
:


فيقول مثلاً إن الالتزام بالتعويض وإن كان واجباً وإن المسؤولية قائمة
، بيد أن طلب التعويض سقط بالتقادم ،
متذرعاً بأن الالتزام المترتب في ذمته قد
انقضى بهذا السبب ، وهذا ما يهمنا بحثه
هنا
.



فما هو التقادم وما هو أثره في المسؤولية الطبية المدنية ؟ وهل يختلف التقادم في المسؤولية العقدية عنه في
المسؤولية التقصيرية ؟



عرف بونبيه التقادم فقال
:
هو دفع بعدم القبول ، يستطيع
المدين أن يوجهه ضد دعوى الدائن الذي
أهمل في استعمال حقه ، أو في المطالبة به في المدة التي حددها القانون (1)


ويقول في كتابه شرح الالتزامات : يجب رفع الدعاوى الناشئة عن الحقوق الشخصية ، عادة » خلال مدة معينة ، فإذا قعد الدائن عن رفع
الدعوى خلال
» هذه المدة ، أكتسب المدين في مواجهته تقادماً
، يجعل مطالبة الدائن غير
جائزة القبول
.



فالتقادم إذن : هو دفع يعطيه القانون ضد دعوى الدائن ، الذي أهمل المطالبة بحقه في المدة القانونية ، فالمدين يستطيع إذا شاء أن يعطل
دعوى
الدائن ، بتمسكه بالتقادم ، فالواقع إن التقادم المسقط أو المبرئ يتوجه ضد
الدعوى
لا ضد الحق ذاته .فالدعوى تصبح عديمة الجدوى ، بفعل الدفع بالتقادم الذي يوجهه ضدها المدعى عليه (1)


فحق الدائن يبقى ، طالما أن المدين لم يدفع بالتقادم ، فله التمسك به ، أو التنازل عنه ، فالتنازل والتقادم إذن أمران مختلفان
ويجب التحرز
من الخلط بينهما , ولا يصح أن ينهض أحدهما أساساً للآخر


فالتقادم نظام قائم على اعتبارات الصالح العام ، في حين أن
التنازل يقوم على إرادة الفرد الصريحة أو
الضمنية
، ويهمنا هنا في موضوعنا أن ندرك الأساس الذي يقوم عليه التقادم فهل
التقادم جزاء الإهمال ؟ وإذا قررنا هذا الأساس ، فهل يسري التقادم إذا
انتفى هذه
الإهمال ؟ كحالة الجهل بالحق


الرأي الراجح : إن التقادم يسري ضد الدائن ، ولو كان
جاهلاً حقه ، وفي هذه الصورة ، لا يمكن نسبة أي إهمال إليه ، كما إننا نجد
حالات يوقف فيها التقادم ولا يسري ، لاستحالة المقاضاة ، أو لوجود مانع
أدبي ، أو
مادي ، أو قانوني ، وقد سار القضاء الفرنسي والمصري على تطبيق هذه القاعدة
، فأوقف
التقادم في كل الأحوال التي لا يمكن فيها نسبة إهمال إلى الدائن نتيجة
لاستحالة
المقضاة ، أو لوجود مانع مادي أو قانوني ، كالاتفاق ، أو القوة القاهرة


ونحن نرى أنه من الخطأ تأسيس التقادم في هذه الحالات على مجرد فكرة مجازاة
الإهمال ؛ ذلك
إن التقادم في نظرنا تبرره اعتبارات الصالح العام ، التي تقضي بحرمان
الدائن من حقه
،
بمجرد مرور المدة القانونية . أما إذا اقتضت اعتبارات العدالة بوقف سريان التقادم
ضد بعض الأشخاص ، كان للقانون ـ لا للقاضي ـ حق تقدير هذه الاعتبارات وهذا
ما عناه
المشرع في المادة /379/ من ق.م حيث نص على عدم سريان التقادم ، إذا وجد
مانع يتعذر
معه على الدائن المطالبة بحقه ، ولو كان المانع أدبياً


والواقع إن الشرائع التي اعتمدت نظام التقادم لم تعتمده إلا بناء
على الرغبة في الاستقرار العام (1
) وبرأينا أن قرينة الإهمال لا تصلح أساساً للتقادم ، كما أنه لا يصلح أن
يكون
قائماً على قرينة الوفاء ، أو على مظنة الإبراء
.
إنما الواقع أن ما يبرر التقادم هو الصالح العام ، ذلك إن الضرورات الاجتماعية تقضي بوضع حد زمني
لاستعمال
الحقوق، والدعاوى ، ولئن كانت السلطة العامة في المجتمع هي التي تحمي
الحقوق بواسطة
الدعوى على وجه الخصوص ، فإن هذه الدعوى وما يتعلق بها من نظم ، لها
إجراءات وخصائص
تتعلق بالسلطة العامة ، وهذه السلطة إذ تحمي
الحق عندما لا ترى فيه ما يصادم الصالح
العام ، فهي لذلك تضع أجلاً لا يستطيع الأفراد
بعد انقضائه طلب الحماية العامة ،
فالحق وإن كان يبقى قائماً من الناحية الخلقية
أو الطبيعية ، ولكنه ينتهي في نظر
القانون الوضعي ، إذا فات الأجل المقرر
لحمايته



فالتقادم إذن ، تمليه اعتبارات الصالح الاجتماعي ، والأمن العام ، فالدولة لا تهتم بعد مضي المدة بحماية الحقوق ،
لا مراعاةمنها لصالح فرد من الأفراد ، ولكن للصالح الأعلى للمجتمع الذي تسهر
عليه .ومن هذه الوجهة ، أي من حيث اتصاله بالصالح العام ، يجوز لنا أن نشبه التقادم بقوة الشيء المحكوم به ، فالفكرة في الحالتين واحدة وهي ضرورة
إزالة الشك
بالنسبة لبعض المراكز القانونية


ويترتب على هذا الأساس الذي قررناه لنظام التقادم
واخترناه ، نتائج هامة وهي
:


1- لا يصح التنازل عن التقادم قبل تمامه ، وهذا ما قررته المادة /385/ من ق.م فلا يجوز الاتفاق مسبقاً على إطالة أمد
التقادم
مثلاً في مسؤولية الطبيب المدنية ، لأن في هذا تنازلاً جزئياً عن التمسك
بالتقادم



2- إن مدة التقادم القانونية هي من النظام العام
لذلك حرمت المادة /385/ من
ق.م الاتفاق على أن يتم التقادم في مدة تختلف
عن المدة التي عينها القانون ،
وبالتالي فلا يجوز إطالة المدة أو تقصيرها ؛
فلا يجوز للمريض أن يتفق سلفاً مع
الطبيب على إطالة أمد التقادم في المسؤولية
إذا حصل ضرر له ، واعتبار مدة التقادم
عشر سنوات عوضاً عن ثلاث سنوات .


3- لئن كان التقادم مقرراً للصالح العام ، بيد أنه لم يشأ الشارع أن يهمل إدارة أصحاب الشأن ، لذلك قرر أنه : لا
يقع التقادم
بقوة القوانين ، وبالتالي فإن القاضي لا يمكنه أن يثيره من تلقاء نفسه ، بل
يجب أن
يتمسك به صاحب المصلحة ، وهذا ما قررته المادة /2223/ من القانون الفرنسي
والمادة
/384/ من ق.م فإذا انقضى الالتزام ، أو دعوى طلب
التعويض بمرور الزمن ، فليس للقاضي
أن يثير هذا الموضوع من تلقاء نفسه ، بل على
الطبيب نفسه أن يدفع هذا الدفع
باعتباره هو صاحب المصلحة في هذا الشأن .


وهذا استثناء فيه مخالفة للقاعدة التي تقضي
بأن المحكمة لها الحق بإثارة كل دفع يتعلق بالنظام العام ، ذلك إن الشارع رأى
أن تخويل هذا الحق للقاضي ، فيه خروج عن مقتضى النزاهة الواجبة ومخالفة
للضمير
والأخلاق ، ذلك إن صاحب المصلحة قد يرى عدم التمسك بهذا الحق إرضاء لضميره
وأخلاقه
أو دينه


4- إن التقادم في المسؤولية الطبية لا يقوم على
قرينة الوفاء ، لطالما
إنه قائم على أساس النظام العام ، بمعنى إن
المدين أي الطبيب ، يستطيع أن يتمسك
بالتقادم ولو أقر بوقوع الخطأ من جانبه ،
وترتب المسؤولية عليه ، إلا إذا تضمن
إقراره تنازلاً صريحاً واضحاً أو ضمنياً عن
التمسك به (1
).


وبهذا لا يستطيع المريض أن يوجه اليمين إلى الطبيب الذي يتمسك
بالتقادم على أنه وفّى التعويض ، وذلك
لأن رفض أداء هذه اليمين ، هو اعتراف منه بعدم
الوفاء وقد بينا في هذا التقادم في
المسؤولية الطبية ، أن اعتراف الطبيب بعدم
الوفاء لا يمنعه من التمسك بالتقادم
.ذلك إن التقادم في المسؤولية الطبية ، غير مبني على قرينة الوفاء ، وهذا ما ذهبت إليه المحاكم في سورية ، ومصر ، فقد أقر القضاء المصري هذه القاعدة في
أحكامه
(2) .


كما أقرها القضاء السوري أيضاً إذ جاء في اجتهاد محكمة النقض السورية ما يلي :
«
إن الاحتجاج بالتقادم
حق من حقوق المدين ، أو الشخص » « صاحب المصلحة ،
لا
يجوز للمحكمة أن تقضي به من تلقاء
نفسها ، عملاً بأحكام المادة (384) من ق.م » (1)


فلئن كان التقادم من هذه الناحية ليس من النظام العام ، فما هي مدة ونوع هذا التقادم في المسؤولية الطبية ؟ قلنا إنه ليس من نوع التقادم
القصير فمن أن
نوع هو إذن ؟ وهل هو من نوع التقادم الثلاثي ؟ أم أنه من نوع التقادم
الطويل
؟


يبدو من النص أنه في المسؤولية التقصيرية يتم التقادم بانقضاء ثلاث سنوات
من
اليوم الذي علم فيه المضرور بالضرر وبالشخص المسؤول عنه ، فلا يبدأ سريان
التقادم
من يوم وقوع الضرر ، ويترتب على ذلك أنه قد يمضي على وقوع الضرر مدة تزيد
على ثلاث
سنوات دون أن تتقادم دعوى المسؤولية ، ويكفي لتحقيق ذلك أن يقع الضرر دون
أن يعلم
به المضرور ، كأن يجري الطبيب عملية جراحية خاطئة فلا يتخلف عنها الضرر إلا
بعد مدة
،
ولا يعلم المضرور أن ضرره تخلف من العملية إلا بعد مدة سنة مثلاً ، ففي هذه
الحالة يبدأ التقادم من اليوم الذي علم به المضرور بالضرر .


هذا ما أخذت به محكمة النقض السورية فقالت : إن
دعوى الحق الشخصي الناتجة عن الجرائم
الجنحوية ودعوى
تعويض الضرر الناشئ عن العمل غير المشروع ، تسقطان
بالتقادم
ثلاث سنوات من اليوم الذي علم فيه
المضرور بحدوث الضرر والشخص المسؤول عنه ، وإن انقضاء مدة تزيد على ثلاث سنوات على الإطلاع
على
ارتكاب هذه الجرائم ، وهذا العمل غير المشروع ، يجعل المطالبة
بالأضرار
الشخصية غير مقبولة ، لشمول هذه »الحقوق بالتقادم المسقط (1)


واجتهاد آخر بهذا المعنى جاء فيه
:
إن دعوى التعويض
الناشئة عن حادث ، تسقط بمضي ثلاث
سنوات ، من اليوم الذي علم فيه المضرور بحدوث الضرر والشخص
المسؤول عنه
بمقتضى المادة /173/ من ق.م وإن إهمال المضرور الإدعاء ، إلى ما بعد انقضاء هذه المدة يؤدي للسقوط بالتقادم (2)


فمسؤولية الطبيب عندما تكون مسؤولية تقصيرية
، تتقادم بثلاث سنوات ، وهذا ما جنحت إليه محكمة النقض السورية صراحة في
اجتهادها الصادر عام 1960 إذ قالت
:
إن مسؤولية الطبيب عن
عمله غير المشروع
وهو تجبير كسر خطأ ، تتقادم بمرور ثلاث سنوات
على اليوم الذي علم فيه
المضرور بحدوث الضرر بالشخص المسؤول عنه (1


فخطأ الطبيب إذن إما أن يكون ناجماً عن مخالفة لأصول الفن ، فهو خطأ غير
مشروع ، بمعنى إنه إخلال بالتزام قانوني
،
فليزم من سببه بالتعويض ، وهذا الإخلال بالالتزام القانوني ، والذي يعبر عنه
بالخطأ غير المشروع ، معياره جنوح المرء في سلوكه وتصرفاته ببذل عناية
الرجل
المعتاد ، فإذا قصر وانحرف المرء عن هذا السلوك حقت عليه المسؤولية
التقصيرية



فالطبيب عندما يقصر عن بذل العناية العادية للمريض ، يكون قد ارتكب عملاً
غير
مشروع ، وبالتالي كان مسؤولاً مسؤولية تقصيرية


فالعمل غير المشروع هو الذي يخضع لنص المادة /173/ من م.ق بمعنى أن تقادمه
ثلاث سنوات



أما خطأ الطبيب الناجم عن مخالفة عقدية ، فهو خطأ عقدي ،
ويخضع بالتالي للتقادم الطويل ، فدعوى
التعويض لمعرفة سريان التقادم فيها ، يتعين
علينا مبدئياً أن نحدد نطاق المسؤولية
الناجم عنها التعويض ، فهل هي مسؤولية عقدية ،
أم مسؤولية تقصيرية ؟

فإن كانت المسؤولية عقدية فتقادمها طويل ، وإن كانت المسؤولية تقصيرية فتقادمها
ثلاثي
.
وهاذ ما قررته محكمة
النقض السورية في اجتهادها الأخير الصادر 25 آيار 1965 إذ
قالت : حيث
أن المسؤولية الناجمة عن العقود تخضع للتقادم الطويل » « ما لم
يرد نص خاص نشأنها ، فإن إخضاع هذه الدعوى للتقادم
القصير المنصوص عنه في
المادة 173 من ق.م والذي لا ينطبق إلا على
الأعمال غير المشروعة؛ ينطوي على
مخالفة للقانون ، تعرض الحكم للنقض (1


فتحديد نوع التقادم ، يتوقف على تعيين نوع الخطأ هل هو خطأ عقدي ، أم خطأ ناجم
عن إخلال بالتزام قانوني ؟



وقد بحثت محكمة النقض السورية هذا الموضوع بحثاً مستفيضاً وقررت مبادئ سليمة
واضحة في
اجتهادها الصادر 25 أيار 1965 إذا قالت
:
من حيث أنه يتعين للفصل
في هذا
الخلاف ، تحديد نطاق العمل غير المشروع الذي يخضع دعوى التعويض
الناجمة
» للتقادم القصير وحيث
إن العمل غير المشروع بحسب ما تعارف عليه
الفقهاء،
هو كل إخلال بالتزام قانوني يسبب ضرراً للغير ، فيلتزم
مسببه
بتعويض الضرر بمقتضى ما نصت عليه المادة /164/ من ق.م والالتزام القانوني
الذي يعتبر الإخلال به خطأ وعملاً غير مشروع، هو التزام المرء في
سلوكه ، وتصرفاته ، ببذل عنايةالرجل المعتاد ، كي لا يحدث

ضرراً للغير ، فإذا قصر وانحرفحقت عليه المسؤولية التقصيرية . وحيث إنه يجب التفريق في هذا الصدد ، بين الخطأ غير المشروع الذي لا يفترض فيه قيام أية علاقة
تعاقدية ، بين

المخطئ والمضرور ، وبين
الخطأ التعاقدي الناجم عن
العقد، والذي يخضع لشروط التعاقد ، إذ أن لكل
من المسؤوليتين
التقصيرية ،
والعقدية ، قواعد متميزة سواء فيما يتعلق

بتحديد مدى التعويض ، أو
الإعفاء
من المسؤولية ، أو تحديدها ، أو مهل التقادم (1).


فالمبدأ الذينخلص إليه إذن
:



هو إن دعوى تعويض الضرر الناشئ عن العمل غير المشروع ـ كخطأ الطبيب في طرق المعالجة ، أو بقيامه بتجبير كسر خطأ يتنافى مع أصول الفن ـ
تسقط
بالتقادم بانقضاء ثلاث سنوات ، من اليوم الذي علم فيه المضرور بحدوث الضرر
،
وبالشخص المسؤول عنه (1).


فسريان التقادم في هذه الدعوى يبدأ إذن من يوم وقوع الضرر
، ذلك إنه قد يمضي زمن يزيد عن مدة التقادم (الثلاث سنوات) ولا يعلم بوقوع
الضرر ، ففي هذه الحالة لا يسري التقادم على دعوى المسؤولية لأن المضرور لا
يعلم
بوقوع الضرر، فالمدة التي تمر ، ولا يعلم المضرور بوقوع الضرر فيها ، لا
تحسب في
التقادم


أما دعوى تعويض الضرر الناشئ عن مخالفة للعقد ، فتسقط بالتقادم الطويل ،
أي لا تتقادم إلا بخمس عشرة سنة ، لأنها التزامات أرادها المتعاقدان ، فترتبت في
ذمة الملتزم بإرادته هو(2)؛ فالطبيب الذي يرتبط مع المريض بعقد لمعالجته من
قرحة ،
إنما يلتزم في هذا العقد معالجته بذمة وانتباه ، مع مراعاة المبادئ المقررة
في علم
الطب وإن مجرد عدم الوفاء بهذا التعهد ، ولو لم يكن متعمداً يستتبع مسؤولية
الطبيب
،
مسؤولية تعاقدية وإن دعوى التعويض المبنية على هذا النوع من المسؤولية ، لا تسقط
بمضي ثلاث سنوات ، إنما تقادمها طويل لأنها ناشئة عن الاتفاق السابق على
ارتكاب
الفعل (1).


سقوط الدعوى العامة وأثره على دعوى التعويض :


مما لا شك فيه إن السبب الذي تقوم عليه دعوى المسؤولية عن جريمة
تختلف عن السبب الذي تقوم عليه دعوى
المسؤولية عن خطأ مدني . فلئن كانت الدعوى
المدنية أي الناجمة عن خطأ مدني تتقادم
بثلاث سنوات ، ودعوى المسؤولية الجنائية
تتقادم بعشر سنوات ، فإن الدعوى المدنية مع
قيام
الدعوى الجنائية لا يسري عليها التقادم ، وتبقى قائمة مع قيام الدعوى الجنائية
،
ولا تسقط إلا بسقوطها وقد نصت الفقرة الثانية من المادة /173/ من ق.م
: " على أنه إذا كانت هذه الدعوى ناشئة عن جريمة ، وكانت الدعوى الجزائية لم تسقط
بعد
انقضاء المواعيد المذكورة في الفقرات السابقة فإن دعوى التعويض لا تسقط إلا بسقوط الدعوى الجزائية


وتطبيقاً لذلك أيضاً اعتبرت محكمة النقض السورية أن
الدعوى الجزائية تقطع التقادم في الدعوى المدنية وقد قررت المبدأ التالي
: إن
الدعوى الجزائية تقطع التقادم ويقتصر أثرها على منع
سقوط
الدعوى المدنية
إذا كانت الدعوى الجزائية لا تزال قائمة بعد انقضاء مهلة التقادم وإن أثر هذا
الانقطاع يبقى
قائماً ما دامت الدعوى قائمة وبما أن الدعوى الجزائية انتهت
بحكم قضائي بسقوط دعوى الحق العام ، فإن التقادم يسري من جديد من وقت
صدور هذا الحكم الذي أذعنت له الجهة المطعون ضدها (1


وحكمة ذلك إن الشارع أراد أن يمكن المضرور في الوقت الذي يعاقب فيه
الجاني ، أن يتقاضى منه التعويض
المدني مثال ذلك قام طبيب بعملية تنظيف الرحم
فقتل المريضة ، ولم يعلم الورثة بقتل
مورثتهم بهذا السبب إلا بعد مرور عشر سنوات من
وقوع الجناية ، ففي هذه الحالة سرى
التقادم على الدعوى الجنائية لمرور عشر سنوات
على وقوعها ، ومع ذلك فتبقى الدعوى
المدنية قائمة ؛ إذ إن المضرور لم يمر على
علمه بالحادث ثلاث سنوات من وقت العلم
بالجريمة كما أنه لم يمر خمس عشر سنة على وقوع
الجريمة



شكل الدفع بالتقادم :


علمنا طبيعة التقادم في المسؤولية الطبية ، ونوعه وحالات سريانه ووقوفه ،
وإنه
يجب أن يصدر من صاحب المصلحة ، بيد أنه قد تعتري حالات لا يدفع بها
بالتقادم بشكل
صريح ، إنما بشكل ضمني ، فما هو أثر ذلك ؟


استقر القضاء على أنه يجيز التمسك الضمني
بالتقادم ، ذلك لأن القانون لا يستلزم شكلاً خاصاً في الدفع بالتقادم ،
فالطبيب الذي يدفع أمام محكمة الاستئناف بطلب تأييد الحكم الابتدائي
للأسباب
الواردة فيه ، متى كان الحكم الابتدائي قد قضى بسقوط التعويض بالتقادم ،
فإذا قبلت
محكمة الاستئناف التقادم ، لا تعتبر أنها طبقته من تلقاء نفسها (1) .


فالقضاء لئن كان يجيز التمسك بالتقادم ، إلا أنه
يستلزم أن يكون هذا التمسك ظاهراً من طلبات
الشخص
بشكل غير غامض ، لهذا فإن دفع الطبيب الدعوى مثلاً ، بقوله : (أطلب رد الدعوى
للأسباب القانونية الأخرى التي قد تراها المحكمة) لا يعني هذا إنه تمسك
بالتقادم ،
كما إذا أبدى دهشته من تأخر الدائن في رفع دعواه ، فهذا لا يعني أيضاً إنه
دفع
الدعوى بالتقادم (2) ، هذه العبارات الغامضة لا تصلح أساساً للدفع بالتقادم .كما
إن الدفع بالتقادم دون تعيين نوعه الواجب التطبيق هل يعطي للقاضي الحق في
تعيين النوع وتطبيقه ؟


من الثابت إن القاضي لا يستطيع إثارة التقادم من تلقاء نفسه ، بل عليه أن يمتنع عن تطبيقه ما لم يتمسك به صاحب الشأن ، فإذا دفع
به كان
للقاضي سلطة بحثه وتطبيقه وتعيين بدء سريانه ، ولا يعتبر ذلك منه خروجاً عن
القاعدة
التي تحرم عليه تطبيق التقادم من تلقاء نفسه ؛ ومهما يكن شكل الدفع
بالتقادم ، فإن
التمسك به مقبول في أية حال كانت عليها الدعوى
، ولو أمام محكمة الاستئناف سنداً
للمادة /384/ من ق.م الفقرة الثانية على أن
صاحب المصلحة إذا لم يحتج به أمام
المحكمة الاستئنافية في المرة الأولى ، فإن
ذلك لا يحول بينه وبين الاحتجاج به بعد
نقض الحكم ، لأن الدفع بالتقادم مما يجوز
إثارته أمام محكمة الموضوع في أية مرحلة
تكون
عليها الدعوى بمقتضى المادة المذكورة (1
)


الغلط في تعيين نوع التقادم :


تثور المشكلة هنا في حالة ما إذا وقع الطبيب دعوى طلب التعويض عن المسؤولية بالتقادم الحولي مثلاً ، وكان التقادم المسقط هو التقادم الثلاثي ، والدفع
بالتقادم
الحولي مبني على قرينة الوفاء بمعنى إن دفع الطبيب بهذا التقادم يوجب
تحليفه اليمين
على أنه أدى التعويض فعلاً ، فهل للمحكمة أن تمهل دفع الخصم وتطبق التقادم
الثلاثي
؟
برأينا إنه حيث يراد
تطبيق أي نوع من هذه الأنواع الخاصة ، يجب على المستفيد
التمسك
به صراحة ؛ فإذا تمسك المدين بالتقادم العادي ، فليس للقاضي أن يبحث من
تلقاء نفسه عما إذا كان هناك تقادم أقصر واجب التطبيق كالتقادم الثلاثي ،
وبهذا
يكون ما قرره بلاتيول وريبير صحيحاً إذ قالا
:



« إن المحكمة يجب أن تفصل في طلبات الخصوم كما هي، وإنه لا يمكن القول بأن أنواع التقادم المختلفة بدخل بعضها في بعض ، وعلى ذلك فإن الخصم الذي يتمسك خطأ
بالتقادم الخمسي لا
يستطيع أن يستفيد بالتقادم القصير وهناك رأي معاكس لذلك0


والواقع إن المسألة التي نتصدى لبحثها يجب ألا يكون حلها
في اعتقادنا واحداً في جميع الحالات ،
إذ إن إعطاء حل عام ومطلق لهذه المسألة غير
مقبول ، فالواجب في هذا البحث تبيان دور
القاضي
في التقادم ، على اعتبار إن القاضي يملك سلطة تطبيق القواعد القانونية حدود سلطته
(1
)

descriptionالمسؤولية الطبية للطبيب Emptyرد: المسؤولية الطبية للطبيب

more_horiz
في قوة الشيء المحكوم فيه


Force de
la chose jugée



إن دعوى المسؤولية تقوم في الغالب على جريمة ، فتخضع لاختصاص القضاء الجزائي ، والقضاء المدني معاً ، فإذا صدر حكم نهائي في القضية الجزائية ،
فإلى أي
حد تتأثر الدعوى المدنية به ؟ أو بالأحرى إلى أي حد يصبح الحكم حجة على
الكافة
erga omnes وهل يحوز هذا الحكم حجية الشيء المحكوم به ؟


فالطبيب الذي برئ من جريمة القتل ، أو الجرح الخطأ ، فهل يفقد
المضرور حقه في التعويض ؟ والى أي حد هناك
ارتباط،
أو وحدة بين الخطأ التعاقدي والخطأ الجنائي ؟

الخطأ الجنائي هو
الإضرار
بالمجتمع ، والجزاء فيه هو العقوبة الجنائية ، في حين إن الخطأ المدني ينظر
إليه من
ناحية الأضرار التي لحقت بالفرد ، والإخلال بالتوازن بين المصالح الخاصة
للأفراد ؛
والجزاء فيه هو إصلاح ذلك الضرر بما يقضي به من تعويض
.



ويذهب القضاء المصري إلى أن الخطأ في كلتا الحالتين لا تختلف عناصره في
أيهما عنه في الأخرى ؛ فالخطأ الذي
يستوجب المساءلة الجنائية ، بمقتضى نصوص قانون
العقوبات ، لا يخالف في أي عنصر من
عناصره ، الخطأ الذي يستوجب المساءلة المدنية
بمقتضى المادة /164/ من القانون
المدني ، إذ إن أي قدر من الخطأ مهما كان
يسيراً يكفي لتحقيق كل من المسؤوليتين (1
)


وهذا فيما يتعلق بالمسؤولية عن الأعمال الشخصية التي يقع الخطأ فيها ممن
ارتكب
الفعل الضار ، ففي المسؤولية الجنائية لا يسأل الشخص جنائياً إلا عن خطئه
الشخصي ،
ولا تكون ثمة مساءلة عن عمل الغير إلا بارتكاب خطأ يرتبط بالنتيجة برابطة
السببية ،
أما في نطاق المسؤولية المدنية فالخطأ في هذه المسؤولية قد يكون مفترضاً ،
لذلك
فإنه لا يكون ثمة من تناقض في الحكم الجزائي القاضي ببراءة الطبيب ، وبين
ما يحكم
به من تعويض .


لهذا فإن القول بحجية الحكم الجزائي في الشيء المحكوم فيه بالنسبة للمسؤولية التقصيرية وارد ، باعتبار إن هناك وحدة في الخطأ المدني ، بينما
يجد
آخرون من الشراح أن الأمر خلاف ذلك في الدائرة العقدية ، فإذا برئ الطبيب
من جريمة
قتل أو الجرح الخطأ ، فالمجني عليه لا يفقد حقه في التعويض ، إذ ليس هناك
وحدة بين
الخطأ التعاقدي والخطأ الجنائي ، ويترتب على هذه التفرقة إن القاضي المدني
ليس
ملزماً بوقف الدعوى إذا كانت الدعوى الجنائية مرفوعة على الطبيب فعلاً؛


ويقول لالو : Lalou


Le
principe que l’autorité au civil de la chose jugée au criminel laisse au juge
civil le droit de décider tout ce qui n’est pas inconciliable aves ce qui a été
jugé au criminel a fait l’objet d’applications interessantes et délicates dans
l’hypothése de délit par la juridiction repressive .lL parait admis
(V.cependant infra no 309) tout d'obort qu'un acquittement du chef du délit
pénal ne s’oppose pas à une condamnation pour faute contractuelle (trib,civ Nantes ,28 janv 1931



وترجمته :


إن مبدأ قوة الشيء المحكوم به في الجزائي
على المدني جعل للقاضي المدني حق تقرير كل ما لا يتعارض مع ما قرره الحكم
الجزائي وقد كان ذلك موضع تطبيقات هامة ودقيقة في مجال الجرائم المرتكبة عن
قلة
احتراز وذلك في حالة براءة مرتكبها من قبل المحكمة الجزائية ، وعلى ذلك فإن
من
المسلم به أن البراءة من الجرم الجزائي لا تتعارض مع الحكم على أساس الخطأ
العقدي
(محكمة نانت المدنية 28/1/1931


Gaz , pal 5 mars
1931 – Re q.19 nov 1940, D.H 1940,208
Autre chose est la faute délictuelle , autre chose est la faute contractuelle
(V.infra no , 394 et suiv)(1)
وترجمته : إن الخطأ الجزائي هو شيء مختلف عن الخطأ العقدي .


بيد أن بعض الشراح يرون لضرورة تقييد القاضي المدني
بالحكم الجزائي وارتباطه بمقتضى الأمر المقضي به إنه يجب أن يكون هناك
: وحدة
في الخصوم والموضوع و السبب ، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا في قضاء مدني يقيد
قضاء مدنياً ، أو في قضاء جنائي يقيد قضاء جنائياً ، ذلك إن الخصومة
المدنية تختلف
عن الخصومة الجزائية التي فيها الخصم النيابة ، كما إن الموضوع في الدعوى
المدنية
التعويض ، في حين إنه في الدعوى الجزائية هو العقوبة ، كما إنه أيضاً ليس
من وحدة
في السبب ، لأن السبب في التعويض هو الخطأ المدني ، في حين إن سبب العقوبة
هو الخطأ
الجنائي ،لذلك فلا يتصور تقييد القضاء المدني بالحكم الجزائي على أساس
قاعدة قوة
الشيء المقضي به الذي يتطلب الوحدة في جميع هذه العناصر


فإذا كان الأمر كذلكفما هو الاعتبار الذي يقوم عليه إذن تقييد
القضاء المدني بالقضاء الجزائي
؟


يقولالسنهوري باشا في كتابه الوسيط ما يلي : إنما
يرجع تقييد القضاء الجنائي
للقضاء المدني إلى اعتبارين أحدهما قانوني ،
والآخر عملي
: أما الاعتبار القانوني
: فهو إن لحكم الجنائي له حجية مطلقة ،» «فهو حجة بما جاء فيه على الناس
كافة ، ومنهم الخصوم في الدعوى المدنية فهؤلاء لا يجوز لهم أن يناقشوا حجية الحكم الجنائي .
والاعتبار العلمي : هو
إنه من غير المستساغ ، والمسائل الجنائية من النظام العام ، أن يقول القاضي
الجنائي شيئاً فينقضه القاضي المدني
فإذا صدر حكم جنائي بإدانة متهم أو ببراءته ،
كان مؤذياً للشعور العام ـ وقد آمنت
الناس على أثر الحكم الجنائي بأن المتهم مجرم
أو برئ ـ أن يأتي القاضي
المدني فيقول إن المتهم برئ فلا يحكم عليه بالتعويض في الوقت الذي قال فيه القاضي الجنائي إنه مجرم أو يقول إن المتهم مجرم فيحكم عليه بالتعويض بعد أن قال
القاضي
الجنائي أنه برئ فليست العلة إذن هي اتحاد الخصوم ، والموضوع ،
والسبب في
الدعوتين ؛ بل هي في الواقع توافر الضمانات المختلفة التي قررها الشارع في
الدعاوى
الجزائية ابتغاء الوصول إلى الحقيقة فيها ، لارتباطها بالأرواح والحريات ،
الأمر
الذي تتأثر به مصلحة الجماعة ، لا مصلحة الأفراد ، مما تقتضي أن تكون
الأحكام
الجزائية محل ثقة على الإطلاق ، وأن تبقى آثارها نافذة على الدوام ، وهذا
يستلزم
حتماً ألا تكون هذه الأحكام معرضة في أي وقت لإعادة النظر في الموضوع الذي
صدرت فيه
،
حتى لا يجرّ ذلك إلى تخطئتها من جانب أي جهة من جهات القضاء(1
)


شروط حجيةالحكم الجزائي


يشترط لحجية الحكم الجزائي الذي يقيد القاضي المدني شروط ثلاث :


1- أن يكون الحكم قطعياً
.



2- أن يكون الحكم نهائياً ، صادراً من محكمة جزائية فيما هو من اختصاصها .


3- أن يكون ما يتقيد به القاضي المدني من الوقائع ،
قد فصل فيها الحكم الجزائي وكان فصله فيها ضرورياً



أمثلة على ذلك :


إذا أجريت عملية جراحية لمريض ، أدت إلى شلل في الأمعاء والمعدة وقد يحصل هذا
بصرف
النظر عن الأخطاء التي ارتكبها الطبيب الجراح ـ فإذا أقيمت الدعوى العامة
على
الطبيب ، وصدر الحكم الجزائي ببراءة الطبيب مما أسند إليه ، من تسببه في
إحداث
الشلل ، على اعتبار أن الصلة السببية بين الأخطاء ووفاة المريض غير ثابتة
واستفاد
الظنين في النتيجة من الشك ؛ أو إذا قضت المحكمة بنفي الخطأ بالإهمال ،
فيكون لهذا
الحكم حجيته ، وليس للمحكمة المدنية أن تستعرض ذلك الخطأ في نطاقه المدني
(1
) .


أما إذا كانت التهمة المسندة إلى الطبيب جريمة عمدية ، وقضت المحكمة
الجزائية
ببراءته لانتفاء القصد الجنائي ، فإن هذا الحكم لا يمنع المحكمة المدنية من
أن تقضي
بتعويض للمجني عليه عما حدث له من ضرر بسبب خطأ غير عمدي ، كما إذا قضى
الحكم
الجزائي بانتفاء خطأ جزائي في التهمة المرفوعة عنها الدعوى العامة ، فليس
هذا بمانع
للقاضي المدني من أن يقضي بالتعويض ، تأسيساً على ما يراه من توافر خطأ
مدني
.
أما ما يقوله القاضي
الجزائي عن مقدار الأخطاء كأن كانت جسيمة أو يسيرة ، فإن
هذا
لا يفيد القاضي المدني ، وكذلك الأمر بالنسبة للظروف المخففة فلا أثر لها على
القاضي المدني .


وخلاصة القول : إن ما يثبته الحكم الجزائي عن الضرر والسبب في حدوثه ، إنما يحوز قوة القضية المقضية فيما تناوله عنهما وكان ضرورياً
لقوام
حكمه وللفصل في الدعوى العمومية(1)


وتشير أحكام محكمة النقض الفرنسية في صدد ما
للقاضي المدني بالنسبة للحكم الجزائي بقولها

:



Le juge civil
conserve sa liberte d'appréciation toutes les fois qu'il ne décide rien
d’inconciliable avec ce qui a été jugé au criminel
وترجمته :يحتفظ القاضي المدني بحرية التقدير في كل مرة بما لا يتعارض مع ما تقرر
في الحكم الجزائي



فالمراد إذن من أن الحكم الجزائي يكون له قوة الشيء المقضي به
أمام المحكمة المدنية ، هو إن القاضي
المدني لا يملك تجاهل ما حكم القاضي الجزائي
بوجوده وثبوته ، فيما هو ضروري للفصل
في الدعوى العامة (1)



وقد أخذت محكمة النقض السورية بهذا الرأي وقررت أن حجية الحكم الجزائي لا تتعدى امتناع توقيع العقوبة ؛ وفي نطاق المسائل التي تعرض
لها هذا
الحكم وفصل فيها ، كما إن أثر الحكم الجزائي في الدعوى المدنية ينحصر ضمن
نطاق
المسائل التي تعرض لها هذا الحكم إذ قالت
:



« إن الحجية التي تثبت للحكم الجزائي في الدعوى المدنية ينحصر مفعولها ضمن نطاق المسائل التي تعرض لها هذا الحكم وفصل فيها للحيلولة دون صدور أحكام مدنية

تتناقض مع ما قرره الحكم الجزائي ، وذلك على اعتبار إن المشرع
قد أحاط الإجراءات أمام
المحاكم الجزائية المتعلقة بأرواح الناس وأعراضهم بضمانات يقتضي معها أن يكون
الحكم الجزائي محل ثقة الناس كافة فإذا ما اختلفت المسائل والأسباب
التي تعرض لها الحكم الجزائي عن تلك التي استند إليها الحكم المدني فإنه لا
شيء
يحول دون إدانة من قضى الحكم الجزائي (بتبرئته أو العكس) ، إذ لا
يقوم في
مثل هذه الحالة تناقض بين الحكمين يسيء إلى قوة الحكم الجزائي أو يخل بالاعتبار الذي يجب أن يبقى محفوظاً له (1)


واجتهاد آخر في عدم تعدي حجية الحكم الجزائي
امتناع توقيع العقوبة قالت
:
«
إن مثل هذا الحكم الذي
لا يتعدى في
حجيته امتناع توقيع العقوبة على الواقعة المنسوبة إلى التابع ، ليس من شأنه
أن
يحول دون اللجوء إلى القضاء المدني من أجل طلب التعويض
، لأن نفي
المسؤولية الجزائية لا يترتب عليه حتماً إخلاء الفاعل من المسؤولية المدنية
،
على اعتبار أن قواعد هذه المسؤولية ، أوسع نطاقاً من المسؤولية
الجزائية ،
وتملك المحكمة المدنية نتيجة لذلك ، الفصل في طلبات التعويض (1


وهكذا نجد أن تقرير عدم المسؤولية من الوجهة الجزائية ،
أو حجية الحكم الجزائي ، لا تتعدى
امتناع توقيع العقوبة على الواقعة المنسوبة ،
وهو ليس من شأنه أن يحول دون اللجوء
إلى القضاء المدني لطلب التعويض ، ذلك لأن
انتفاء المسؤولية الجزائية لا يرتب حتماً
انتفاء
المسؤولية المدنية ، على اعتبار إنه ليس هناك وحدة بين الخطأ التعاقدي ،
والخطأ الجزائي ، ذلك لأن الإخلال بالالتزام القانوني غير الإخلال
بالالتزام
التعاقدي ، كما إن قواعد المسؤولية المدنية أوسع نطاقاً من المسؤولية الجزائية(2).


واجتهاد آخر بهذا المعنى جاء فيه
:
إن توزيع المسؤولية بالحكم الجزائي بين الفاعل والضحية ، لا يحول دون إشراك أشخاص آخرين
بالمسؤولية
أمام القضاء المدني، ذلك إن الحجية المقررة للحكم الجزائي
، تنحصر في
الوقائع التي فصل فيها الحكم المذكور بصورة لازمة
وضرورية، بمقتضى ما نصت
عليه المادة /90/ من قانون
البينات ، إذ إن تجزئتها ، لا يقيد القاضي
المدني
الذي
له أن يقضي خلافاً لماقرره القضاء الجزائي ، بتوزيع المسؤولية
، أو حصرها ، أو إِشراك أشخاص ثالثين فيها
لم
يتناولهم الحكم
الجزائي ، دونأن يكون في ذلك خرق لقوة القضية
الناجمة عن الحكم الجزائي وقد
استقر الفقه والاجتهاد
في فرنسا على هذا الرأي (1
).


في اشتراطعدم المسؤولية


تقدم معنا إن التعويض يستحق عند تحقق المسؤولية فهل يجوز للمتضرر اشتراط عدم المسؤولية عند تحقق أركانها ؟ وبالتالي هل يقبل تعديل أحكام
المسؤولية
إعفاء أو تخفيفاً أو تشديداً ؟ وهل في ذلك ما يخالف النظام العام ؟


علمنا إن التعويض حق للمضرور فهو يملك بسلطانه التصرف
بهذا الحق ، فإذا تنازل عنه أو عدّله ،
إنما يكون قد مارس حقاً خولّه إياه القانون ،
بمعنى إنه مارس صلحاً عليه ، والصلح
جائز فيما هو ليس من النظام العام وفقاً
للمادة /517/ من ق.م فللمضرور إذا بعد وقوع
الضرر
، أن يعفي المسؤول كلية ، وبالتالي أن يتنازل عن جزء من التعويض ، أو أن
يستبدله بشيء آخر ، أو أن يزيد فيه برضى المسؤول تفادياً لإجراءات التقاضي
؛ كل هذا
مقبول


ولكن هل يجوز للطبيب قبل إجراء عملية جراحية أو قبل التزامه بعلاج المريض ، أن يشترط سلقاً مع المريض ، قبل أن يصيبه أي ضرر عدم مسؤوليته عن
نوع معين
من الضرر ، أو عن الضرر الذي يحدث في ظروف معينة ؟ وهذا هو الاتفاق على
الإعفاء من
المسؤولية ، أو أن يحدد المسؤولية بقدر من الضرر ، أو بقدر من التعويض ،
وهذا هو
الاتفاق على التخفيف من المسؤولية
.



ولم يكن ذلك معروفاً في القانون الفرنسي ، ولا
في القانون المصري القديم ، مما اضطر القضاء لأن يسترشد لكل حادثة معينة
بظروفها ، ويستنبط الحلول الجزئية تبعاً لكل حالة ، مسترشداً كذلك
بالضرورات
العملية ، مفرقاً ومميزاً في الإعفاء من المسؤولية بين المسؤولية التعاقدية والمسؤولية التقصيرية ، فأجازها في الأولى في حدود معينة ، ومنعها في
الثانية ؛
وهذا ما ذهب إليه الفقه (1).


بيد أن الإعفاء من المسؤولية باطل في المسؤوليتين ، إذا
كان الاتفاق مستهدفاً الإعفاء من الخطأ العمد أو الخطأ الجسيم ، فإذ اتفق
الطبيب مع المريض أو ذويه إنه يعفى من المسؤولية في حال وفاة المريض نتيجة
خطأ
الطبيب ، فإن هذا الاتفاق باطل ، لأنه ينطوي على ما يخالف النظام العام ،
ولا يختلف
الحكم أيضاً فيما إذا كان الاتفاق يستهدف الإعفاء من الخطأ اليسير ، أو
التخفيف من
مسؤولية هذا الخطأ اليسير في نطاق المسؤولية التقصيرية ، (2) ، لأن
الاتفاقات
الخاصة المستهدفة الإعفاء من المسؤولية أو التخفيف منها بما يلحق جسم
الإنسان من
ضرر تعتبر مخالفة للنظام العام (1


ويقول (ديموغ) يعتبر باطلاً كل اتفاق يتعارض
مع سلامة الإنسان وحياته (2
)


وتفريعاً على ذلك ، فإن الاتفاق على الإعفاء من
المسؤولية مما يترتب من ضرر ، مبني على غش المسؤول ، لأن مثل هذا الاتفاق يبرر
سوء النية في إبرام العقود ، وهذا ما يتنافى مع المادة /149/ من ق.م التي
توجب
تنفيذ العقود بما يوجبه حسن النية
.
أما فيما يتعلق
بالاتفاق على التخفيف في
المسؤولية التقصيرية فلا يخرج الحكم عن الحكم
في الإعفاء ، فلا يجوز إذن الاتفاق
على التخفيف من المسؤولية سواء من حيث مدى
التعويض ، أو من حيث الشرط الجزائي ، أو
من
حيث مدة الدعوى وأساس الحكم في ذلك أن ما يلحق بجسم الإنسان لا يمكن أن يكون
محلاً للاتفاقات المالية .


أما الاتفاق على التشديد في المسؤولية التقصيرية كأن يتفق
المريض مع الطبيب سلفاً على أن يضمن الطبيب الضرر بأن يكون الخطأ مفترضاً من
جانب الطبيب ولو في حالات لم يفرض القانون فيها الخطأ


ويبدو أنه في مثل هذه الحالة ليس في هذا الاتفاق ما يخالف النظام
العام ، شأن الاتفاق على التخفيف ،
وجواز ذلك مستمد من المادة /218/ من القانون
المدني التي تنص أنه
: يجوز الاتفاق
على أن يتحمل المدين تبعة الحادث المفاجئ والقوة القاهرة
.
فالطبيب الذي يقبل أن يضمن الضرر ولو لم يصدر عنه أي خطأ، إنما يتحمل في هذه الحالة
تبعة
مسؤولية لم تتحقق ، فهو يتحمل التبعة
risque
لا المسؤولية لأن
المسؤولية لا تقوم
إذا انعدمت علاقة السببية ، فهو إذ يتفق مع
المريض أو ذويه على التشديد من مسؤولية
قد تحققت ، فمن باب أولى أن يكون هذا الاتفاق
صحيحاً



أما في نطاق المسؤولية العقدية ، فيذهب البعض إلى أنه لا يصح الاتفاق
على الإعفاء من مسؤولية الخطأ اليسير
فيما يحدث من ضرر للإنسان في شخصه ، إذا كان
الضرر يصيب الجسم ، فلا يجوز اشتراط
الإعفاء من مسؤولية ما يعرض سلامة المرء للخطر
، وكل اتفاق يتعارض مع سلامة النفس
يكون باطلاً (1).


وعلى هذا نجد إنه لا قيمة للاتفاق الذي يبرمه المريض مع الطبيب والجراح على استبعاد المسؤولية ولو كان العلاج أو إجراء العملية بناء على
طلب صريح
من المريض (1)


والرأي الراجح فقهاً وقضاء في سورية على جواز الاتفاق على الإعفاء من المسؤولية العقدية عن الخطأ اليسير ولكنه لا يجوز الاتفاق على
المسؤولية
التي تترتب عن عدم تنفيذ التزامه العقدي، الناجم عن غشه أو عن خطئه الجسيم
، وليس
الأمر كذلك فيما يتعلق بالمسؤولية التقصيرية ، لأن شرط الإعفاء فيها باطل
لمساسه
بالنظام العام المادة /218/ من القانون المدني السوري


فإذا اعتبرنا مسؤولية الطبيب عقدية فهل تجيز لنا شرط الإعفاء من
المسؤولية ؟ يرى الأخوان مازو « إن
اشتراطات الإعفاء من المسؤولية غير جائزة إذا
كانت منصبة على الغش أو الخطأ الجسيم
، وحتى إذا انصبت على الخطأ
التافه ، متى كان الضرر ماساً بسلامة الشخص أو اعتباره
،
كما هي الحال في الأخطاء الطبية ، لأن الأشخاص لا يجوز أن يكونوا محلاً
للتعاقد »(2).


ولكن بعض الفقهاء لم يتعرضوا لهذه الاعتبارات ، وأقرواشرط عدم المسؤولية بالنسبة للأطباء (1)


وباعتقادي إنه لو صحّ هذا الاشتراط ، بيد أنه
لا يمكن تطبيقه بالنسبة للأطباء لأنه في هذه الحال يفقد المرضى ثقتهم بالأطباء
ويحجمون عنهم


إلى جانب ما ذكرناه من فروق بين المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية ، نجد أنه يوجد شروط أربع ، يجب أن تتوفر جميعها في المسؤولية
حتى يحكم
عليها بأنها مسؤولية عقدية ، وإلا فهي مسؤولية تقصيرية ، فعندما نعتبر
المسؤولية
الطبية مسؤولية عقدية يجب أن تتوفر فيها هذه الشروط الأربع وهي :


1- وجود عقد بين
الطرفين



2- أن يكون العقد صحيحاً


3- أن يخلّ أحد المتعاقدين بأحد التزاماته الناشئة عن هذا العقد .


4- أن يلحق هذه الإخلال بالالتزام ضرراً للطرف الآخر أو لخلفه .


وهذا باعتقادي بديهي لأن المسؤولية العقدية أصلاً هي جزاء الإخلال بالتزام ناشئ عن عقد ، في حين إن المسؤولية التقصيرية جزاء الإخلال
بالتزام
ناشئ عن غير عقد .
والأمر يدق فعلاً عندما
نريد أن نحدد نوع المسؤولية الطبية
على ما ذكرناه لا سيما وأن هذه المسؤولية
أثارت جدلاً كبيراً بين الفقهاء وخاصة
مسؤولية الطبيب عن خطئه في علاج المريض


إن التزامات الطبيب لا تنشأ من اتفاق المريض
مع الطبيب، فهي من ناحية مجهولة لأحد طرفي ذلك الاتفاق ، وهو المريض ، فلا
يمكن افتراضها إنها دخلت في دائرة الاتفاق لا صراحة ولا ضمناً ، وإنها من
جهة أخرى
لا تخضع لإرادة أي الطرفين فلا سبيل إليهما لإنشائها أو لتقييدها ، لأنها
من النظام
العام تفرضها قواعد المهنة وحدها ، فهي أقرب إلى الالتزامات القانونية منها
إلى
الالتزامات العقدية ، لهذا كان يترتب على الإخلال بها مسؤولية تقصيرية حتى
لو اتفق
المريض مع الطبيب على العلاج وعلى أجر العلاج ، كان هذا الاتفاق عقداً منشأ
لالتزام
عقدي في جانب المريض وحده بدفع الأجر (1) ولا أثر له فيما يجب على الطبيب
القيام به
نحو المريض .


فلئن كان الفقه الفرنسي إلى أواخر القرن الماضي منحازاً إلى جانب هذه النظرية على ما ذكرناه سابقاً ، غير أنه حدث في بداية القرن الحالي ،
أن تنبه
الفقه الفرنسي إلى خطأ هذه النظرية ، فقام الفقهاء ينادون بوجوب اعتبار
مسؤولية
الطبيب الذي يختاره المريض ، أو نائبه لعلاجه ، وهي الحالة الأكثر شيوعاً
مسؤولية
تعاقدية بل حتى عندما يكون اختيار الطبيب للمريض حاصلاً من الغير ، كمستشفى
، أو رب
عمل ، فيكون هناك اشتراط لمصلحة المريض يجعل المسؤولية تعاقدية ، وقد أجمع
أعلام
الفقه الفرنسي الحديث على قبولها ، فقد قبلها كولان ، وكابتان ، وبلانيول ،
وريبير
واسمان ، وجوسران ، وديموج والفقيهان مازو ، وديران ، ولالو ، ودينيس ،
وسافاتيه
(1)


ولقد كان لهذا الإجماع الأثر الأكبر في اتجاه القضاء هذه الوجهة ، فاعتبر المسؤولية الطبية مسؤولية عقدية ، وخاصة في الحكم الذي أصدرته محكمة النقض
الفرنسية
بتاريخ 20 مايو 1936 ، ومرد ذلك انضمام العلامة جوسران إلى مستشاريها إذ كان العضو المقرر في تلك القضية ويعتبر هذا الحكم بدء انطلاق القضاء في فرنسا
لاعتبار
المسؤولية الطبية مسؤولية تعاقدية؛ ولقد رتب الفرنسيون على هذا الاتجاه
الذي اتجهت
فيه محكمة النقض نتيجة مهمة وهي فيما يتعلق بموضوع إمكان الجمع والخيرة بين المسؤولين ، ويرون استناداً إلى تقرير المستشار جوسران ومرافعة النائب
العام ماتر
Mattre إن محكمة النقض الفرنسية قد قضت بحكمها
المذكور على نظرية الخيرة بين نوعي
المسؤولية (1)
.



أضف إلى ذلك أن هذا الاتجاه للقضاء الفرنسي يقرر أن العقد الطبي يوجب على الطبيب عناية من نوع خاص فإن هو قصر في القيام بها كانت مسؤوليته
تعاقدية
،
ولا يكفي لتكون المسؤولية عقدية ، أن يكون هناك عقد ، بل لا بد من أن يكون هناك
إخلال بالالتزام الناشئ عن العقد ، فكل قضية خاصة بالمسؤولية التعاقدية
تفترض تحديد
مدى الالتزام التي ينشئها العقد.


الفصل الرابع


طبيعة الالتزاماتالطبية


عقد العلاج


عقد العلاج : ما هي الالتزامات التي يُنشئها هذا العقد ؟


إن الاتفاق بين الطبيب والمريض ، ينصب على بذل عناية، في مقابل جهوده ، ولا يمكننا القول إن المريض يجهل ما يتفق عليه مع الطبيب ، لأنه يعلم فعلاً إن
الطبيب
بقبوله علاجه ، قد تعهد أن يبذل عناية معينة في ذلك ، بما يتناسب مع مركزه
في مهنته
،
فيعالجه طبقاً لما يتوقعه المريض من مقدرة علمية وفنية وكفاية وخبرة في مهنته ،
وهذا ما قررته محكمة النقض المصرية في اجتهادها إذ قالت : إن
التزام الطبيب
ليس التزاماً بتحقيق نتيجة هي شفاء المريض ، إنما هو التزام ببذل عناية ،
إلا أن
العناية المطلوبة منه تقتضي أن يبذل لمريضه جهوداً صادقة يقظة تتفق في غير
الظروف
الاستثنائية مع الأصول المستقرة في علم الطب ، فيسأل الطبيب عن كل تقصير في
مسلكه
الطبي لا يقع من طبيب يقظ في مستواه المهني ، وجد في نفس الظروف الخارجية
التي
أحاطت بالطبيب المسؤول . . ] (1).


أما طريقة الكشف والعلاج فيتركه المريض للطبيب ليقوم
به طبقاً لقواعد العلم وأصول الفن الطبي ، فالتطبيق الصحيح للقواعد لا يدخل
في عداد الالتزامات التي يُنشئها عقد العلاج ، ومسؤولية الطبيب لا تكون عقدية فيهذه الحالة إلا في حالتين :


1- في حالة رفض العلاج بعد التعهد:كالطبيب الذي
يتقاضى أجوراً ثابتة ، لقاء خدماته في المستشفى ثم يرفض علاج أحد المرضى في
هذا المستشفى .


2- حالة هجر المريض
:
فالطبيب الذي يتعاقد مع
المريض لعلاجه
،
يعتبر مسؤولاً مسؤولية تعاقدية ، إذا هجر المريض (1) ويقول ناست
: إنه
إذا
كان الطبيب ملزماً تعاقدياً ببذل عناية ، فهذا أمر لا شك فيه ، لأن موضوع
العقد
الطبي ، هو علاج المريض ، ومن ثم فالطبيب يرتكب خطأ تعاقدياً ، إن هو رفض بذل العناية التي وعد بتقديمها أو هو هجر المريض ، أثناء العلاج بغير مبرر جدي(2


وعلى هذا نجد أن الطبيب والجراح تبعاً للواجبات العامة في العلاج لا يجوز هجر مريضه بل يجب عليه أن يكون على اتصّال بالمريض لمتابعة حالته
المرضية
وإسعافه إذا اقتضى ذلك وهذا ما يدخل في شمول وجوب بذل العناية لمريضه تحت
طائلة
مساءلته إذا هو خالف هذا السلوك وهذا ما أخذت به محكمة النقض السورية إذ
قالت
: الطبيب الجراح مفروض فيه أن يتصل بالمستشفى
ليسأل عن مريضه وأن يترك
عنوانهللاتصال به وإسعاف المريض، ومخالفته ذلك
تفسح المجال لمساءلته أمام القضاء
لتقدير المسؤولية والتعويض عنها ما دام الأمر
يتصل بالإهمال بالواجبات العامة
للطبيب لا بمسائل فنية . .] (1)


وهذا ما سبق أن أخذت بهذا الرأي محكمة استئناف ليونبتاريخ
19 مارس 1935 (2) حيث قررت
: إذا كان هناك عقد بين الطبيب والمريض ، يلزم الطبيب ببذل عناية ، والمريض يدفع الأجرة ، فإن المسؤولية
لا
تكون عقدية، إلا إذا حصل إخلال بأحد هذه الالتزامات ، بأن لم يبذل الطبيب العناية ، التي تعهد بها أو قطعها بغير مبرر قوي 0 أما في حالة فشل العلاج ، فإن كان راجعاً إلى خطأ من جانبه،
فإن هذا الخطأ لا يعتبر إخلالاً
بالتزام تعاقدي ، وإنما يعتبر إغفالاً
للواجبات المهنية ، التي يفرضها الفن
الطبي ، أو بعبارة أخرى خطأ تقصيرياً


ونحن في عقد العلاج ، لا نجد عناصره المكونة
متوافرة جميعها في العقد الذي نحن بصدده ، وأن تحليل الصلات ، التي تربط
الطبيب بمريضه ، توحي إلينا : بأن المسؤولية الطبية ناجمة عن إخلال الطبيب
بالتزامه
القانوني أو المهني ، أكثر من كونها ناجمة عن التزام تعاقدي ،


ويقول ناست في تعليقه على قرار محكمة استئناف إيكس ، الصادر في 6 حزيران 1931 والمنشور في داللوز
الزمني
تاريخ 2 أيار 1932 ما يلي : أنه لا يمكن الرجوع إلى نظرية المسؤولية التعاقدية ، إلا إذا كانت المحاكم ترجع إلى تمحيص إرادة المتخاصمين
،
لتستبين خطأ الطبيب ، إلا أن المحاكم لا تفعل ذلك ، إنما تتحرى، ما تكون عليه الإرادات ولا تعمل على تفسير العقد ، الجاري بين الطبيب ومريضه ،
وإنما
يقتصر عملها على تمحيص ، ما إذا كان الطبيب ، قد تقيد بالالتزامات التي
تفرضها
عليه قواعد الطب أم لا ؟


ولا يسعنا هنا أن نتوسع أكثر من ذلك ، إنما أرى
: أن وجهة نظر محكمة النقضالفرنسية باعتبار مسؤولية الطبيب عقدية ، هو الرأي
الذي أقرته معظم التشريعات الحديثة في المادة /611/ من القانون المدني
الألماني ،
والمادة /361/ من قانون الالتزامات السويسري والمادة /64/ من القانون
المدني
اللبناني


ولئن كانت المسؤولية لكي تعتبر عقدية ، يجب توفر الشروط التي ذكرناها سابقاً ، ونحن نجد أن هذا الأمر ميسوراً وخاصة في الحالتين التاليتين


الحالةالأولى
:
وهي حالة المريض الذي
يقوم باختيار طبيبه بدعوة منه : ففي هذه الحالة
الأمر
لا يحتمل مناقشة



أما الحالة الثانية وهي : حالة ما إذا كان تدخل الطبيب
قد تم دون دعوة من
المريض
.



« ففي هذه الحالة ، يصعب الأمر ويدق ، كالطبيب الذي تستدعيه المارة ، أو يتدخل من تلقاء نفسه ، لإسعاف مريض ، أو
كحالة
طبيب المستشفى ، أو طبيب المصنع ، ففي الحالة الأولى ، إذا كان تدخله من
تلقاء نفسه
،
أو بناء على دعوة فرد من الجمهور ، فهذا العقد هو من قبيل الفضالة ، لأن العمل
حصل تنفيذاً لدعوة تلقاها الطبيب من غير ذي صفة
.
أما حالة طبيب المستشفى
أو طيب
المصنع ، فالعقد في هذه الحالة ، فيه اشتراط لمصلحة الغير ، إذ العلاقة بين
الطبيب
والمريض ، هي نتيجة لعقد إيجار الأشخاص ، الذي تم بين الطبيب ، وأصحاب
المصنع ، أو
المستشفى ، فالطبيب هنا يعمل لمصلحة المرضى ، وهم المستفيدون من الاشتراط ،
وتكون
إذن للمستفيد دعوى مباشرة ومستمدة من العقد يستعملها قبل المتعهد ، ليطالبه
بتنفيذ
التزامه ومقتضى هذا أن تكون مسؤولية الطبيب عقدية
.
وهكذا رأينا الصعوبة
التي
اكتنفت طبيعة المسؤولية الطبية


والآن نرى أن نبحث : ما هو التكيف القانوني لعقدالعلاج ؟


ذهب الفقهاء في وصف عقد العلاج ، مذاهب عدة ، وقد ثار الجدل حولها .
وهذه المذاهب هي :


1- اعتبار عقد العلاج عقد وكالة :


من أنصار هذا الرأي بوتييه إذ يقول
:
إن العقد بين الطبيب
والمريض عقد وكالة، وما
الأجور التي يقدمها المريض إلا من باب الهبة ،
مقابل » « عرفان الجميل الذي يقوم به
الطبيب ، إلا أن هذا الرأي
كان محل نقد ، إذ أن الوكالة تقوم على فكرة
النيابة
، والطبيب إذ يقوم بمهمته أثناء مزاولة مهنته
إنما
يقوم بها باسمه
(1)»ولا رقيب عليه إلا ضميره وقواعد مهنته


وبما أن الوكالة تقوم على فكرة النيابة في التصرفات القانونية فلا نجد
شيئاً من هذا فيما يقوم به الطبيب في
وصف الدواء والعلاج


2- اعتبار عقد العلاج عقد إيجار الأشخاص


إن الأعمال المادية والعقلية سيّان في نظر القانون من حيث
الأجر ، فالطبيب في عقد العلاج يقوم
بخدمة إنسانية مقابل أجر ، ولكن هذه الخدمة لا
تشكل رابطة تبعية بين الطرفين ، كما
لا تخضع الأجير لتبعية المستأجر ، لأن هذا ما
يتنافى مع ما يجب أن يتوفر من حرية
لدى الطبيب ، في تطبيق أصول فنه ومزاولة
مهنته، على أن هذا الرأي لئن كان لا ينطبق
في
الحالة الفردية ، لكنه مع تطور الصناعة ووجود الشركات ، واستخدامها العمال،
جعلها تتفق مع أطباء للكشف على عمالهم ومعالجتهم لقاء راتب شهري ، فالطبيب
في مثل
هذه الحالة يلتزم قِبَلَ الشركة أو المستشفى ، أو المؤسسة ، بأن يكرْس بعض
وقته
ليقدم خدماته على الوجه المتفق عليه ؛


وقد أقرت هذا المبدأ بعض المحاكم (1) وهو
:



«Constitue
un contrat de travail , la convention aux termes de laquelle un medecin est
chargé par le directeur d'un sanatorium de visiter les malades à des heures
réguliéres et moyennant le payement d'un salaire mensuel fixe , la
subbordination qui constitue la caractéristique du contrat de travail peut
n'étre que relative et elle n'existe pas moins quand le directeur n,a pas a
s’immiscer dans le traitement que le médecin impose aux malades du sanatorium »



وترجمته :يعتبر عقد عمل كل اتفاق يتم بموجبه تكليف طبيب
من قبل مدير أحد
المصحات بزيارة المرضى في ساعات محددة لقاء
أداء أجر شهري محدد ، وأن صلة التبعية
التي تعتبر العنصر المميز لعقد العمل يمكن أن
تكون نسبية ، وتقوم هذه التعبية حتى
وإن كان لا يحق للمدير أن يتدخل في شأن العلاج
الذي يفرضه الطبيب على مرضى المصح
.
privacy_tip صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
power_settings_newقم بتسجيل الدخول للرد